02 , يوليو 2026

القطيف اليوم

الغداء الأخير

أظن أن  عمي الأستاذ محمد سعيد ابن الشيخ ميرزا حسين البريكي، رحمه الله، ظاهرةٌ تستحق أن تُدرَس بعمق. في مجلسه لن تسمع منه كلمة: «أنا مريض». كان يرى أن المرض الحقيقي هو الموت، وما سواه تعبٌ سيزول عاجلًا أم آجلًا. ولم يكن ممن يستدرون العواطف بعبارات الألم، أو يجعلون الشكوى حديث المجالس. ولم يسمح لنفسه يومًا أن يحدثها بالظلامة؛ كان يؤمن بأن الإنسان إذا اجتهد، وبذل كل ما في وسعه، فلن يجد بابًا موصدًا في طريقه. وكان يتهلل وجهه تهللًا عظيمًا كلما استمع إلى خطب السيدة زينب عليها السلام في الكوفة أو في الشام، وكأن كلماتها توقظ فيه روحًا لا تعرف الانكسار. ولم يكن مستعدًا، ولو للحظة واحدة، أن يمنح مستاءً أثقلته نوائب الدهر عبارةً من عبارات الصبر الساكن؛ بل كان يدعو دائمًا إلى الحرب على اليأس والاستسلام. فالإنسان، في نظره، محارب، وعليه أن يجاهد الحياة، وألا يفتر عن السعي مهما اشتدت الخطوب. هكذا عاش البريكي، منذ نعومة أظفاره حتى هجوعه في قبره: متعلمًا لا يكل ولا يمل، يطارد المعرفة في كل موطن، ويعدها زاد الحياة الحقيقي. وفي غدائه الأخير معي في عشرة الحسين، قال — وطالما كرر ذلك — إنه يرغب في الذهاب إلى الرياض؛ فهناك ندوات القلب، وهناك جلسات الحوار الوطني، وهناك ما يزداد به علمًا على علم.

في الغداء الأخير كان يقلب صفحات كتاب الدكتور جميل الجشي عن شجرة العائلة. ولم يكن البريكي ممن يطلقون النكتة لمجرد الإضحاك؛ فما من طرفة يرويها إلا وفي ثناياها درس، وما من موقف يذكره إلا ويستخرج منه حكمة. روى لي أن الأستاذ سمير، نجل الدكتور جميل، كان طفلًا في الولايات المتحدة، وكعادة الأطفال كان كثير الحركة والمشاكسة. ولم يكن البريكي يرى في التهديد وسيلة للتربية، فلم يقل له: «إن لم تهدأ عاقبتك»، وإنما أخذ يكرر له، مازحًا: «سآخذك إلى فلوريدا… إلى ديزني لاند». وحين أكثر من هذا العرض، وقف سمير، وقد انتفخ أنفه كبرياءً، وقال بحزم: «لا أريد الذهاب إلى فلوريدا». ابتسم البريكي، ثم قال: «تكسب المعركة حينما تُفقد عدوك الورقة التي يبتزك بها». وكان يقتنص من المواقف العابرة قواعد تبقى في الذهن. قال لي ذات غداء: «اعلم يا بني، أن طفلًا لو كسر تحفةً ثمينة، ثم جاء يمرح أمامك، فضربته، فقد غرست فيه أول بذرة للكذب. فإذا عدت يومًا فوجدت تحفةً أخرى قد كُسرت، وسألت بعنف: من الذي كسرها؟ فسكت الفاعل خوفًا، لكن أخاه قال: كسرها فلان. عندها تكون قد صنعت بعنفك كاذبًا يخشى الحقيقة، وجاسوسًا يتقرب إليك بالوشاية». ثم سكت هنيهة، قبل أن يختم بقوله: «فاحذر العنف، فإنه أقصر الطرق إلى صناعة الكذب والتملق».

في الغداء الأخير قال لي: كان وجه الإمام الحسين، سلام الله عليه، مرآةً للسيدة ليلى على ولدها علي الأكبر. فلما شخص بصر الحسين عليه السلام إلى الميدان، فزعت ليلى وقالت: «أأصيب ولدي سوء؟» فقال: «لا يا ليلى، ولكن برز إليه من يُخاف عليه منه». ثم انتقل إلى ذكر والده، خطيب العلماء وعالم الخطباء، الشيخ ميرزا حسين البريكي، رحمه الله، فقال: كان يقرأ مصيبة علي الأكبر عليه السلام، حتى إذا بلغ قوله: «وبرز إليه بكر بن غانم»، وذكر أن عليًا الأكبر جدله، نادى في المجلس: «أين سعيد؟». فيقوم سعيد، وهو يومئذ صبي صغير، ويتقدم بين المعزين، ثم ينشد بلسان علي الأكبر:

صيدُ الملوكِ أرانبٌ وثعالبُ
وإذا برزتُ فصيدي الأبطالُ

فيجيبه الشيخ ميرزا بلسان الإمام الحسين عليه السلام: «وما تريد من جائزة؟»

فيقول سعيد بلسان علي الأكبر:
يَبَوِيَّة قطرة أمية لچبدي
أتقوّى وأرد للميدان وحدي
يَبَوِيَّة انفطر چبدي وحق جدي
العطش والشمس والميدان والحر

لا أدري كيف انحدرت دموعي وأنا أحدق في وجهه وأصغي إلى حديثه. لقد كان كيميائيًا، وأديبًا، وشاعرًا، وعالمًا باللغة، ولكنه إذا ذكر الحسين عليه السلام تحول إلى راثٍ يأخذ القلوب قبل الأسماع؛ فلا يملك سامعه إلا أن يبكي. وفي تلك اللحظة كنت أستحضر الرواية: «من بكى وأبكى فله الجنة». فهنيئًا لك يا عم، ما ذكرت الحسين عليه السلام إلا وأذرفت منا الدموع عليه. ستبقى خالدًا في الذاكرة، لا تمحوك الأيام. لقد فقدت برحيلك أبي الثاني، أيها الرحيم، العطوف، المحب لوطنه، ومدينته، وأهله.

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.


error: المحتوي محمي