رجالٌ كبار طاعنون في السن، بعضهم أميٌّ لا يفك الحرف، غير أنه بمجرد أن يبتدئ الخطيب بقراءة أبيات رثاء من التراث، مرَّ على نظمها عشرات، بل مئات السنين، يشارك هذا الشيخ الكبير الطاعن في السن، الذي يُفترض أن ذاكرته ضعفت إلى ما لا نعلمه من أثر الزمان على الذاكرة والجسد معًا، يشاركُ الخطيبَ قراءةَ صدر البيت الفصيح بطورٍ شجيّ، ويسبقه إلى قراءة العجز مشفوعًا بالدموع؛ دموعٍ تنساب على الخدَّين من وقع الكلمات التي تطرق القلب قبل السمع، مُحلِّقًا بمخيلته من أثر الاستماع إلى أبيات القصيد إلى قلب حدثٍ مرَّ على وقوعه ما ينيف على ألفٍ وثلاثمئة عام.
صوتٌ باكٍ، وصرخةٌ لم يتمكن نصل الشيخوخة من قطع حبالها الصوتية. يحفظ المئات، رغم أميّته، من أبيات الشعر، بين فصيحٍ وشعبيٍّ محكيٍّ، يرددها قلبٌ محزونٌ مكلومٌ من وقع الحدث الذي تتكرر ذكراه في كل عام، ولا يزال غضًّا طريًّا، تتوقد حرارته في القلوب كما هي حرارة الفصل العائد في كل عام بشمسه الحارقة ولهيبه المتوقد، بل أشد حرارة؛ إنها حرارة القلوب، تلك التي لا تغيّرها الفصول ولا تبدلها الأيام: «إنَّ للحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا».
في المجلس نفسه، طفلٌ صغير، بعضهم لا يعرف من الأمر إلا عنوانه، بعضهم يأتي صحبة والده، وبعضهم الآخر يأتي منجذبًا، طوع فطرته أو بيئته، إلى أمكنة تصدح فيها أصوات العزاء، مع الجماعة التي تخلع لباس الزينة مطلع كل عام، مُعرِضةً عن الألوان الزاهية، مرتديةً الثياب السود التي ترى فيها زينة الروح، معلنةً الحداد المقدّس على سيد الشهداء، ذلك الرجل الشجاع، الفدائي، الرسالي، الذي ضحى بنفسه في سبيل الرسالة الأسمى.
ولسان حال الواحد منهم قول شاعرهم الملحمي:
“كيف لا أُحرِم دأبًا ناحرًا هـديَ السـرور؟
وأنا في مشعر الحزن على رزء الحسين!”
كم كانت هذه الصورة مشهدًا عجيبًا لو أننا جرَّدناها من سياقها التاريخي الذي تكرر حتى بدا مألوفًا!
في جهةٍ أخرى من المأتم الذي نُصب حدادًا على قتيل الطف، امرأةٌ متّشحة بالسواد، تمضي إلى المأتم أعوامًا وأعوامًا، وحين تخذلها الجوارح، تهبُّ الجوانح لإسعافها، ولو حملها ذلك إلى اقتناء كرسيٍّ متحرك يحملها إلى المأتم، إنعاشًا للجسد المتعب من ثقل السنين. الجسد الذي تغالبه الروح حتى تمكّنه من حمله طوعًا أو كرهًا في كل يوم من أيام السنة إلى مأتمٍ مستديم، تحيا فيه القلوب.
وحين تُسأل الواحدة منهن: لمَ لا ترتاحين وقد أتعبك المرض وأثقلك التعب؟ تجيب: «نساعد أمه الزهراء».
لا شيء، لا شيء حقًّا، يمنعهم من العودة في كل عام، لا شيء إلا الموت. تردّد ألسنتهم صدى قلوبهم، وعدًا قطعوه للوالدة الثكلى: «أبد والله، للموت، يا زهراء، ما ننسى حسيناه».
هذه صورةٌ اجتماعية/ثقافية من مجتمع اعتاد هذا المشهد حتى صار مألوفًا، غير أنه مشهدٌ مثيرٌ للعجب والإعجاب، لو انتزعته من سياقه الاجتماعي والثقافي المتجذر، الممتد امتداد السنين في ذاكرة هذا المجتمع وواقعه.
وللحديث بقية…



