كأنّ الحسين عليه السلام حين وقف على العباس، لم يقف عند جسدٍ صريع، بل وقف عند عمرٍ من الأدب، وبحرٍ من الهيبة، وقمرٍ كان يضيء ولا يرفع بصره؛ حياءً لا خوفًا، وتعظيمًا لا ضعفًا، ومعرفةً بالمقام لا مجرّد احترام.
“أول مرّة أشوف عيونك” ليست كلمة تُقال على ظاهرها، بل وجعٌ يشرح تاريخًا كاملًا بين أخوين: أخٌ إمام، وأخٌ إمامٌ في الوفاء؛ أخٌ حُجّة، وأخٌ حارس الحُجّة؛ أخٌ يحمل رسالة السماء، وأخٌ جعل روحه سورًا لتلك الرسالة. كان العباس عليه السلام لا يرفع عينه في عين الحسين، لا لأنّ العين لا تقدر، بل لأنّ القلب كان أكبر من النظر، ولأنّ الأدب إذا بلغ قمّته صار صمتًا، وإذا بلغ ذروته صار انحناءً، وإذا صدق في صاحبه صار عبادةً وولاءً وفناءً.
ما أعظم تلك الصورة: العباس، ابن علي، حامل الراية، قمر العشيرة، كاسر الخيل، ومزلزل الرجال؛ فإذا وقف بين يدي الحسين صار كالنسيم بين يدي الفجر، وكالماء بين يدي النهر، وكالجندي بين يدي الأمر. قوّته في ساحات الحرب نار، وأدبه في حضرة الحسين نور؛ يطأطئ رأسه لا عن ذلّة، بل عن بصيرة؛ ويخفض طرفه لا عن انكسار، بل عن وقار؛ ويصمت لا لعجز البيان، بل لأنّ الحسين عنده مقامٌ لا تُدركه العبارة ولا تحيط به الإشارة.
ثم تأتي اللحظة التي تقطع القلب قبل الطريق: سقط العباس، وانكشفت عيناه للحسين. يا لها من مفارقة موجعة؛ عينان طالما حفظتا الحسين من بعيد، ولم تجرؤا على النظر إليه من قريب. عينان كانتا تراقبان الخيام، وتحرسان العيال، وتستأذنان قبل السؤال، وتخجلان قبل المقال. فلما اختلط الجبين بالتراب، والدم بالوفاء، والراية بالسماء، رآهما الحسين… وفيهما دم، لكنهما جميلتان؛ لأن الجمال ليس في سواد الحدقة، بل في صدق النظرة؛ وليس في صفاء العين، بل في صفاء النية؛ وليس في لمعان البصر، بل في نور البصيرة.
أيّ أدبٍ هذا الذي يجعل البطل لا يرى نفسه أمام إمامه إلا خادمًا؟ وأيّ وفاءٍ هذا الذي يجعل الأخ لا يطلب لنفسه شربة، وقد جاء بالماء لغيره؟ وأيّ مقامٍ هذا الذي يجعل الحسين يقول بعين الفقد ما لا تقوله آلاف الخطب: الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوي.
فالعباس لم يكن مجرّد ساعدٍ قُطع، ولا رايةٍ سقطت، ولا فارسٍ غاب؛ كان هيبة الحسين إذا حضر، وطمأنينة زينب إذا نظر، وأمان الأطفال إذا اقترب، وكان آخر ما بقي للخيام من معنى السند. لذلك حين رآه الحسين بلا كفين، رأى الكفالة كلها مقطوعة؛ وحين رآه بلا رمح، رأى الحماية كلها مطعونة؛ وحين رأى عينيه مفتوحتين بالدم، رأى تاريخًا من الأدب قد تكلّم أخيرًا بلا كلام.
سلامٌ على عينين لم ترفعا نفسيهما فوق مقام الإمامة، وسلامٌ على رأسٍ ما انحنى، وسلامٌ على وفاءٍ علّم الرجال أن البطولة ليست صخبًا في الميدان فقط، بل أدبٌ في الحضرة، وخجلٌ في المحبة، وفناءٌ في النصرة.
هكذا صار العباس قمرًا لا لأنه أضاء ليل كربلاء فحسب، بل لأنه علّم الدنيا أن أجمل العيون: عينٌ تخجل من محبوبها احترامًا، وتسهر على خيامه وفاءً، وتنزف في سبيله ولاءً.



