في أول أيام شهر الله المحرم 1448هجري، وبين أجواء الحزن الحسيني التي تملأ القلوب، ارتفعت في القطيف مشاعر حزنٍ أخرى مع إعلان رحيل ابن العم الحاج قصي هجلس، ذلك الرجل الذي لم يكن صاحب منصب، ولا من أصحاب الثروات، ولا من حملة الشهادات العليا، لكنه كان يملك ما هو أعظم من ذلك كله ، امتلك قلوب الناس ، رحل قصي، فخرجت له الجموع في تشييع مهيب ، حضر الكبير والصغير، والغني والفقير، وطالب العلم والشيخ، والتلميذ والعامل، وأبناء البلدات ، كان مشهداً يدعو للتأمل أكثر مما يدعو للدهشة، ويطرح سؤالاً واحداً على كل من شاهد ذلك الحضور ، ما سر هذا الرجل؟
من عرف المرحوم قصي عن قرب لم يكن يستغرب محبة الناس له، لكنه كان يستغرب حجمها واتساعها ، فقد كان بسيطاً في ملبسه، بسيطاً في حديثه، بسيطاً في حياته كلها ، لم يتكلف يوماً في إظهار نفسه، ولم يقصد أو يسع إلى شهرة أو مكانة اجتماعية ، كان يعيش بين الناس واحداً منهم، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويتابع أخبارهم، ويهتم بشؤونهم، ويحرص على أن يكون قريباً من الجميع.
كان معروفاً باهتمامه بأخبار الوفيات في القطيف، يتابعها على مدار 24 ساعة ، هاتفه لايغلق و لايتوقف ، اهتمام بالغ و بدقة واهتمام، ويعد الملفات و الإحصاءات والملخصات الشهرية، لا بدافع الفضول، بل بدافع الشعور بالمسؤولية والانتماء لهذا المجتمع ، وكان حاضراً في المآتم والمناسبات على مستوى القطيف بشكل عام ، مبادراً في الخدمة، سبّاقاً في العطاء، قريباً من الناس في تفاصيل مناسباتهم و حياتهم اليومية ، لكن الحقيقة أن ما كان يراه الناس لم يكن إلا جزءً من الصورة.
فمن رافقه أو عاش قريباً منه ومن أخويه المرحومين عبد الله ومصطفى، يعلم أن هناك أعمالاً وخدمات امتدت لعقود طويلة، تجاوزت خمسة وأربعين عاماً، كانت تتم بصمت بعيداً عن الأضواء ، أعمال إنسانية واجتماعية وخيرية لم تكن تنتظر أو تبحث عن الشكر ولا عن الثناء، وإنما كانت تُؤدى ابتغاء وجه الله وخدمةً لعباده ، وقصي في كثير من الأعمال الخيرية والإجتماعية كان حلقة الوصل وكان يحمل كثيراً من هذه الأسرار في قلبه، كما حملها أخواه من قبله ، أسرار من العطاء والكفالة و المعروف والإحسان لا يعلم تفاصيلها إلا الله سبحانه ، وربما عرف المقربون شيئاً يسيراً منها، أما أكثرها فقد رحل معه إلى جوار ربه.
ولعل هذا هو السر الحقيقي.
فالإنسان المخلص في عمله يكون قريباً من الله تعالى ،قبل أن يكون قريباً من الناس ، وكلما ازداد قرباً من الله، ألقى الله له القبول في الأرض، وفتح له أبواب المحبة في قلوب الخلق ، وقد تذكرت هذا المعنى وأنا أقف في التشييع، أتأمل تلك الحشود التي جاءت تودعه ، دار بيني وبين أحد الأصدقاء المقربين ، حديث عن هذا الحضور وهذه الهيبة ، فقال لي كلاماً لن أنساه:
“نحن نعرف أنه كان يخدم الناس، ويبتسم لهم، ويمزح معهم، ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، لكن ما نراه اليوم أكبر من كل ذلك ، هذا الرجل اعتقد والله العالم سر من أسرار الله.”
نعم، سر ! فالمحبة الحقيقية ليست شيئاً يمكن للإنسان أن يصنعه لنفسه، ولا أن يفرضه على الآخرين ، إنها نعمة و هبة إلهية يمنحها الله تعالى لمن يشاء و صدقت سريرته، وطهرت نيته، وأخلص في خدمة عباده ، وكان للمرحوم الحاج قصي شرف آخر يعتز به كل من عرفه، وهو ارتباطه الخاص بأم البنين عليها السلام ،وخدمته للإمام الحسين عليه السلام ، فقد كان محباً حاضراً في خدمته، معطاءً في سبيله، يرى في خدمة المجالس شرفاً ومسؤولية قبل أن تكون عملاً أو واجباً إجتماعياً ، واليوم، إذ تفقد عائلة هجلس والحاجي وأصدقائه أحد أبنائها البررة، فإنها لا تفقد فرداً من أفرادها فحسب، بل تفقد صفحة مشرقة من صفحات العطاء والخدمة والوفاء ، كما يفقد المجتمع القطيفي وجهاً مألوفاً ارتبط بالخير والبشاشة والإنسانية ، غير أن الرجال أمثال قصي لا يرحلون تماماً، لأن آثارهم تبقى في القلوب، وأعمالهم تبقى في صحائفهم، وذكراهم تبقى حية في مجالس الناس وأحاديثهم ودعواتهم.
رحم الله الحاج قصي بن قاسم بن محمد هجلس رحمة الأبرار، وغفر له ، وأسكنه فسيح جناته مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.
اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة،
وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، واجعل ما أصابهم في ميزان حسناتهم ، إنك أرحم الراحمين.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



