18 , يونيو 2026

القطيف اليوم

الخالة الحاجة طيبة بنت حجي عبد الله آل محمد حسين

سيرة خطيبة حسينية وإنسانة خالدة في الذاكرة

تعد المرحومة الخالة الحاجة طيبة بنت حجي عبدالله آل محمدحسين التي انتقلت إلى جوار ربها عام ربيع الاول 1430 من أهالي جزيرة تاروت ومن سكان حي الديرة القديمة إحدى الشخصيات النسائية البارزة في الذاكرة الحسينية والاجتماعية في منطقة القطيف وقد عرفت بأسلوب استثنائي وفريد بين الخطيبات الحسينيات في زمنها حتى أصبحت سيرتها حاضرة في وجدان من عرفها وعاصرها

كانت خادمة الحسين عليه السلام وخطيبة حسينية متميزة إذ لم تكن تؤدي القراءة الحسينية بالطريقة النسائية التقليدية المتعارف عليها آنذاك بل امتلكت حضورًا قويًا وأداءً مؤثرًا أقرب إلى أساليب الخطباء الرجال في الإلقاء والمحاضرة سواء من حيث قوة الطرح أو طريقة الحديث أو تناول القضايا الدينية والاجتماعية ولهذا اكتسبت شهرة واسعة واحترامًا كبيرًا بين النساء في مختلف مدن وقرى محافظة القطيف

وقد وصلت بعض المعلومات عن أسلوب قراءتها وطريقة أدائها من خلال القريبات من الأهل والنساء اللاتي كن يحضرن مجالسها ويعشن تلك المرحلة حيث تحدثن عنها بمحبة كبيرة وإعجاب واضح بما كانت تمتلكه من هيبة وحضور وتأثير في نفوس المستمعات

وكانت تدعى لإحياء المجالس الحسينية في مناطق عديدة ووصل صيتها بصورة خاصة إلى مدينة صفوى حيث عرفت هناك على نطاق واسع وما زالت الكثير من النساء الكبيرات في السن يذكرنها ويتحدثن عن شخصيتها المميزة وأسلوبها الفريد وتأثيرها العميق في المجالس الحسينية

كما عرفت بعلاقاتها الواسعة مع الخطيبات الحسينيات على مستوى محافظة القطيف فكانت تربطها علاقات وثيقة بخطيبات العوامية وصفوى والقطيف وغيرها من مناطق المحافظة كما امتدت هذه العلاقات إلى عدد من الخطيبات في العراق الأمر الذي عزز مكانتها في الأوساط الحسينية النسائية وجعلها محل تقدير واحترام بين خادمات المنبر الحسيني داخل المنطقة وخارجها

ولم تكن مجرد قارئة للمصيبة الحسينية بل كانت صاحبة رسالة توعوية وتربوية تجمع بين الخطابة الدينية والتوجيه الاجتماعي في فترة كانت فيها مساحة العمل النسائي محدودة جدًا مما جعلها حالة استثنائية يصعب تكرارها في جيلها

كما عرفت الخالة بطيبة قلبها ورحمتها بالناس فلم يكن عطاؤها مقتصرًا على الخطابة والقراءة الحسينية فحسب بل تجسد أيضًا في إنسانيتها الراقية وتعاملها الكريم مع الأهالي والعائلات

ومن أبرز ما يذكر عنها أنها لم تكن تقبل أخذ أجرة قراءة الفاتحة أو إحياء المجالس إلا بعد أن تتأكد بنفسها من أن العائلة ميسورة الحال وقادرة على الدفع أما العائلات الفقيرة والمحتاجة فكانت تقرأ لهم ابتغاء للأجر والثواب وخدمة لأهل البيت عليهم السلام دون انتظار أي مقابل

وكان للخالة بنت حجي عبدالله كما كان يحلو لها أن تعرف دور تربوي واجتماعي مؤثر إذ كانت النساء والبنات يحيطن بها ويتعلمن منها وكانت تصحب بعضهن معها أثناء تنقلها لإحياء المجالس الحسينية فتغرس فيهن أساليب القراءة والخطابة وآداب المجالس وروح الخدمة الحسينية وقد أثرت بذلك في جيل كامل من النساء اللواتي رأين فيها قدوة في الأخلاق والالتزام وقوة الشخصية

ولم يقتصر عطاؤها على الخطابة الحسينية والخدمة الاجتماعية بل امتد إلى العمل الخيري والوقفي المرتبط بخدمة الإمام الحسين عليه السلام حيث أوقفت حسينية في حي الحوامي بجزيرة تاروت لتكون منبرًا لإحياء الشعائر الحسينية وخدمة أهل البيت عليهم السلام وبقي هذا الوقف شاهدًا على إخلاصها وحرصها على استمرار العمل الديني وخدمة المجتمع كما أوقفت منزلها الذي كانت تسكن فيه والمجاور للحسينية الموقوفة ليكون في خدمة الحسينية وأنشطتها ومرافقها المختلفة إيمانًا منها بأهمية الوقف واستمرار العطاء وخدمة المجالس الحسينية والأهالي وبقي هذان الوقفان شاهدين على ما حملته من روح البذل والإخلاص والتفاني في خدمة الدين والمجتمع

كما عرفت بكثرة الحج والعمرة وكانت شديدة التعلق بزيارة المشاهد المقدسة ومراقد أهل البيت عليهم السلام فكانت تحرص على السفر إليها كلما سنحت لها الفرصة لما تمثله هذه الزيارات من قيمة روحية وإيمانية كبيرة في حياتها

ولم تكن رحلاتها إلى الحج والعمرة تقتصر على أداء المناسك والعبادات فحسب بل كانت تستثمرها في الإرشاد الديني والتوجيه التربوي للنساء اللاتي يصحبنها معها فتعلمهن أحكام الحج والعمرة وآدابهما وتجيب عن استفساراتهن وتوجههن إلى ما يعزز الجانب الإيماني والروحي في هذه الرحلات المباركة

كما عرفت بكرمها وسخائها في هذا الجانب إذ كانت تصطحب معها على نفقتها الخاصة بعض النساء غير القادرات ماديًا على تحمل تكاليف الحج أو العمرة أو الزيارات إيمانًا منها بأهمية تمكين الجميع من أداء هذه الشعائر والتشرف بزيارة الأماكن المقدسة وكانت ترعى من يرافقها وتتابع شؤونهن وتحرص على راحتهن حتى أصبحت بالنسبة للكثير من النساء مرشدة دينية ومربية فاضلة يجتمع في شخصيتها الإخلاص في العبادة والحرص على تعليم الآخرين وخدمتهم

ومن المحطات المميزة في سيرتها أنها كانت من القلائل في جيلها الذين تشرفوا بزيارة بيت المقدس في زمن كانت فيه مثل هذه الرحلات نادرة وصعبة الأمر الذي يعكس شغفها بزيارة الأماكن المقدسة وحرصها على التعرف إلى المعالم الدينية والتاريخية ذات المكانة العظيمة في وجدان المسلمين

وقد جسدت هذه الأعمال والرحلات جانبًا مهمًا من شخصيتها فجمعت بين خدمة المنبر الحسيني والعمل الاجتماعي والعبادة والزيارة والإرشاد الديني والعمل الوقفي لتقدم نموذجًا للمرأة المؤمنة التي سخرت حياتها لخدمة الدين وأهل البيت عليهم السلام والمجتمع الذي عاشت فيه

وقد عاصرنا المرحومة الخالة طيبة عن قرب فأحببناها وأحبتنا وكانت تعاملنا كأبنائها رغم وجود والدتنا وكان الاحترام والمحبة المتبادلة بينهما كبيرين جدًا ولمسنا منها الحنان والاهتمام وصدق المشاعر فكانت قريبة من القلوب تزرع الألفة أينما حضرت وتترك أثرًا طيبًا لا ينسى في نفوس من عرفها وعاشرها

وها أنا أكتب هذه الكلمات في أيام شهر محرم الحرام أيام عاشوراء التي كنتِ تعيشينها بكل إحساسك ووجدانك وتتنفسين فيها روح الخدمة والإخلاص رغم ما تحمله من حزن وأسى على قلوب المحبين والموالين وكأن ذكراك في هذه الأيام تعود أكثر حضورًا ودفئًا فنستعيد صوتك وهيبتك وإخلاصك في خدمة المجالس الحسينية لتظل سيرتك حية في القلوب كما كنتِ دائمًا حاضرة في وجدان الناس ومحبتهم

لقد تركت المرحومة الخالة الحاجة طببة أثرًا عميقًا في نفوس الناس وبقيت سيرتها حاضرة في ذاكرة أهالي تاروت والقطيف وصفوى ليس فقط كخطيبة حسينية متميزة بل كامرأة عرفت بالرحمة والكرم والإخلاص في خدمة المجتمع والمجالس الحسينية ورغم رحيلها عام 1430 فإن إرثها الديني والاجتماعي والإنساني ما زال حاضرًا في نفوس من عرفوها وعاصروها حتى أصبحت سيرتها جزءًا من الذاكرة الشعبية والاجتماعية لدى الكثير من نساء المنطقة اللواتي تعلمن منها معنى الخدمة الحسينية الصادقة والعطاء المخلص

رحم الله الخالة طيبة بنت حجي عبدالله آل محمدحسين رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته وجزى ما قدمته من خدمة وإخلاص وتفان خير الجزاء وجعل ذكراها الطيبة باقية في قلوب من عرفوها وأحبوها وجعل ما قدمته في ميزان حسناتها مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين…


error: المحتوي محمي