لم تكن بردة أمي مجرد قطعة قماش تُلقى على جهاز التلفاز، ولم تكن عادة اجتماعية عابرة فرضتها ظروف زمن مضى، بل كانت رسالة تربوية عميقة لم نفهم معناها إلا بعد أن كبرنا في طفولتنا كنا ننظر إلى تلك البردة بشيء من الاستغراب، وربما بشيء من التذمر و الضيق أحياناً ، فما إن يحل شهر محرم الحرام، أو تأتي مناسبة لها مكانتها في قلوب الناس، حتى يُغطّى التلفاز، أو يُفصل عنه التيار، أو تُسحب منه الأسلاك والفيش ، كنا نظن أن الأمر حرمان من المتعة، وأن تلك البردة جاءت لتقف بيننا وبين ما نحب مشاهدته ، لكن الأيام كانت تخبئ لنا درساً أكبر من أعمارنا الصغيرة كبرنا، واكتشفنا أن البردة لم تكن تغطي التلفاز فقط، بل كانت تكشف لنا طريقاً آخر للحياة ، كانت تقول لنا بصمت ، إن الإنسان لا يستطيع أن يمنح قلبه لكل شيء في الوقت نفسه، وإن هناك مناسبات و مواسم تستحق الحضور الكامل، وإن بعض القيم لا تُزرع إلا عندما نبتعد قليلاً عن الملهيات و الضجيج ، في بدايات الستينيات الميلادية ، ومع بدايات وصول الكهرباء إلى كثير من البيوت، دخل التلفاز الأبيض والأسود حاملاً معه عالماً جديداً من الترفيه والانشغال ، أدرك الآباء والأمهات منذ ذلك الوقت أن هذه النعمة قد تتحول إلى ما يشغل الإنسان عن أولوياته إن لم تُضبط بالحكمة ، فكانت البردة وسيلة بسيطة لكنها عميقة الأثر.
رحم الله أمهاتنا وآباءنا.
كانوا يعرفون أن مشاغل الدنيا لا تنتهي، وأن النفس البشرية إذا تركت لكل ما ترغب فيه فلن تجد وقتاً للتأمل، ولا للأسرة، ولا للمجتمع، ولا للقيم التي تصنع الإنسان ،كانت بردة أمي تدفعنا إلى الخروج من المنزل، إلى المجالس، وإلى المناسبات العامة والمشاركة المجتمعية، وإلى الاستماع للكبار، وإلى حضور المناسبات الدينية والاجتماعية، وإلى بناء العلاقات الإنسانية التي لا يمكن لأي شاشة أن تعوضها ، واليوم، بعد مرور عقود طويلة، لم يعد التلفاز وحده هو التحدي الأكبر !!!
أصبح في جيوبنا ألف جهاز و تلفاز ،
وأصبح بين أيدينا عالم كامل من الملهيات التي لا تنتهي، وشاشات تلاحقنا في البيت والسيارة والعمل والمقهى وحتى قبل النوم ، صار الأبناء منشغلين في كل اتجاه، وأصبحت الأسرة الواحدة تجلس في مكان واحد بينما تعيش في عوالم متفرقة ، لهذا أشعر أننا لا نحتاج إلى بردة واحدة فقط ، نحتاج إلى بردات كثيرة!!!.
بردة للهاتف.
وبردة للسوني.
وبردة للألعاب الإلكترونية.
وبردة لمواقع التواصل ،
وبردة لكل ما يسرق أعمارنا دون أن نشعر ، فالقضية لم تكن يوماً قطعة قماش، بل كانت القدرة على قول: “كفى” ، كانت القدرة على إيقاف الملهيات حين يحين وقت الأسرة وقت المذاكرة ووقت أداء الصلاة ووقت تناول الطعام ، وإيقاف الضجيج حين يحين وقت العبادة ،وإيقاف الانشغال حين يحين وقت الإنسان ،لقد علمتنا بردة أمي أن الأولويات لا تُحفظ بالكلام وحده، بل بالمواقف العملية ، وأن التربية ليست أوامر تُقال، بل سلوك يُمارس أمام الأبناء حتى يصبح جزءً من شخصياتهم ، واليوم، كلما رأيت طفلاً غارقاً في شاشة صغيرة، أو أسرة اجتمعت أجسادها وافترقت قلوبها، أتذكر تلك البردة القديمة المعلقة على التلفاز الأبيض والأسود، فأدرك أن أمي رحمها الله ، لم تكن تخفي جهازاً، بل كانت تحمي أسرة ، كانت تصنع لنا مساحة نلتقي فيها بأنفسنا، وبأهلنا، وبقيمنا.
رحم الله أمي وأمهاتكم وأمهات جميع المؤمنين ، ورحم جيلاً عرف أن بعض الأشياء الجميلة تبدأ أحياناً من قطعة قماش صغيرة، لكنها تنتهي ببناء إنسان كبير.



