أنتهى العام الهجري ١٤٤٧ وكما في كل عام: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ}. أستغنى من استغنى، تعافى من تعافى، افتقرَ من افتقر، انتقلَ من الدنيا من انتقلَ إلى الدار الآخرة، دروس تغير الأحوال وتبدلها لا تنتهي.
العجيب أن في الناس من يغترّ بالدنيا ويظنها لا تتغير ولا تتبدل، بينما هي تدور بأهلها مثل دولاب كبير، من هم في أعلى نقطة يومًا ما يصبحون في الأسفل، ومن هم في الأسفل يصبحون في الأعلى. لا تنسَ أيها القارئ العزيز أن التغير والتبدل تتجلى فيه سنة الحياة وحكمة الله سبحانه وتعالى:
وفي الأيام معتبر … لها في أهلها دولُ
فقوم قد علوا فيها … وأقوامٌ بها سفلوا
وكم صرعت محبيها … ولا بيضٌ ولا أسلُ
وكم باتوا على فرشٍ … عليها تضرب الكللُ
أبادَ الدهرُ جمعهم … وجوزوا بالذِي عملوا
حكايات الماضي والحاضر لا تنتهي فالتاريخ يشهد على كثير من الحوادث والحاضر أيضًا. يوم التاريخ الذي يحصل فيه التداول والتبدل ليس بالضرورة اليوم الذي نعرفه، بين طلوع الشمس ومغيبها، قد تطول المدة أو تقصر:
فيَومٌ علينا ويومٌ لنا … ويوماً نُساء ويوماً نسَرّ
غاية المرام: إذا انتهى العام وأنتَ في عافية وغنى فاشكر اللهَ سبحانه وتعالى وحافظ على هذه النعمة:
إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَاِرعَها … فَإِنَّ المَعاصي تُزيلُ النِعَم
وَحافِظ عَلَيها بِتَقوى الإِلَهِ … فَإِنَّ الإِلَهَ سَريعُ النِّقَم
{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ}. يذكر المفسرون أن هذه الآية المباركة نزلت تسلية للمؤمنين لما نالهم من القتل والجراح. تعال اليوم، أيها القارئ الكريم والقارئة الكريمة، وانظر في علو شأن الإسلام بعدما بذل النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وأتباعه ما في وسعهم من الجهد والصبر على المعاناة!
سيدي الكريم وسيدتي الكريمة: أغلب معاركنا لا تتعدى العراكَ مع أنفسنا وطالما أن القوة في أيدينا ننتصر على أنفسنا وما يأتي به الزمان. في التاريخ دروس وعبر لا تخص مكانًا ولا زمانًا دون سواه، إنما تخص الإنسان، في أيّ مكان أو زمان كان. دروس لمن يعرفها بقلبه ويعيها بعقله.
بعض التجارب تشبه الرحى يُطحن بها الإنسان لتُخرج أفضل ما فيه من قمح وتخلصه من القشور. بين شقي الرحى يتلقى الإنسان الضربات واللكمات ويخرج أقوى مما كان! يروى من أحاديث الإمام علي عليه السلام: "إذا رأيت اللهَ سبحانه يتابع عليك البلاءَ فقد أيقظك، إذا رأيت اللهَ سبحانه يتابع عليك النعم مع المعاصي فهو استدراج لك".



