11 , يونيو 2026

القطيف اليوم

المظاهر لا تروي الحقيقة.. حين تكذب الثياب

في زحمة الأيام تختلط علينا الصور، فنحكم على الناس من ملامح عابرة، أو ثياب متعبة، أو هيئة لا تروي إلا جزءا صغيرا من الحقيقة. وربما كانت الحقيقة كلها تقف خلف ذلك المشهد صامتة، تنتظر من يكتشفها.

أذكر ليلة كانت تسبق افتتاح العام الدراسي، وقد تأخرت كثيرا في شراء المستلزمات المدرسية لأبنائي. جلت بين القرطاسيات والمكتبات أبحث عن أقلام ودفاتر ومساطر، لكن الازدحام كان شديدا حتى بدا وكأن المدينة كلها خرجت في تلك الليلة للمهمة ذاتها.

كنت حينها قد عدت إلى الوطن حديثا، وخرجت على عجل من المنزل بعد عشاء أعدته والدتي (مرقة لحم)  ولم أنتبه أن ثوبي اتسخ وحمل آثار ذلك العشاء، ولم أنتبه أن أحد أزراره مفقودة . كانت هيئتي أقرب إلى رجل أنهكه التعب وضيق الحال منها إلى شخص جاء لشراء بعض الحاجيات والعودة إلى منزله.

وبينما كنت أتنقل بسيارتي لمح بصري مكتبة صغيرة هادئة. دخلتها فاستقبلني صاحبها بوجه بشوش وصدر رحب، وقال بلهجة أبوية دافئة: تفضل يا ولدي، هذا مكانك..

سألته عن المستلزمات التي أبحث عنها، فأجاب بثقة: "كل ما تريده موجود" ثم أخذ يتحدث معي حديث الأب مع ابنه. سألني عن اسمي، وعن عملي، وعن دراستي، وعن أحوالي. كان الفضول ممزوجا بالود، وكانت عيناه تقرآن هيئتي أكثر مما تسمعان إجاباتي.

ذكرت له أن ابنه كان زميلا لي في مقاعد الدراسة، ثم أخذ يحدثني عنه بفخر الأب الذي يرى ثمرة عمره قد أينعت. كان يشغل منصبا كبيرا في أحد القطاعات، ويتمتع بمكانة مهنية مرموقة. وبينما كان يقارن بين صورة ابنه التي يعرفها وصورتي التي أمامه، بدا وكأنه استنتج أن كفة الحياة قد مالت كلها إلى جهة واحدة. لم يكن يعلم أن الثياب المتسخة ببعض آثار الطعام والزر المفقود لا تختصر الإنسان، وأن الحقيقة في كثير من الأحيان تختبئ خلف أبسط التفاصيل وأكثرها خداعا.

شعرت مع مرور الحديث أنه يعتقد أنني أمر بظروف صعبة، وأن الحاجة قد أثقلت كاهلي. كان قلبه يسبق لسانه، وتبدو عليه رغبة صادقة في أن يقدم لي معروفا أو يخفف عني شيئا من أعباء الحياة. وحين انتهيت من جمع ما طلبه أبنائي، أقسم علي ألا أدفع ريالا واحدا، وكأن سعادته الحقيقية كانت في أن يخرجني من محله وأنا مدين له بجميل.

بعد اللتيا والتي وبعد إلحاح طويل تمكنت من دفع قيمة المشتريات، وغادرت متجها إلى سيارتي. لكن الرجل الطيب لحق بي مسرعا وناداني: "ولدي.. أهذه السيارة لك؟"

كانت السيارة جديدة، ومن الواضح أن صورتها لا تنسجم مع الصورة التي رسمها في ذهنه عني.

أجبته مبتسما لأدفع عنه باب الفضول: "لا، إنها لوالدي، استعرتها منه"

رفع يديه بالدعاء وقال: "الله يحفظك يا ولدي، ويوفقك ويرزقك من خير الدنيا."

عدت يومها وأنا أفكر طويلا في ذلك الرجل. لم أتذكر المكتبة، ولا الدفاتر، ولا الأقلام التي اشتريتها. بقي في ذهني الدقائق التي امضيتها بالمكتبة..

كم من إنسان يحمل في صدره رغبة صادقة لفعل الخير، تدفعه إلى مؤازرة من يظنه محتاجا، دون أن ينتظر شكرا أو مقابلا. وكم من إنسان أخطأنا في تقدير حاله لأن ثوبه كان متعبا، أو لأن الظروف رسمت على وجهه صورة لا تشبه حقيقته.

إن المظاهر لغة ناقصة، وكثيرا ما تخطئ في ترجمة أصحابها. فالثياب قد تحكي قصة لم تحدث، والسيارات قد تروي حكاية لا وجود لها، أما القلوب فلا تكذب.

ولعل أجمل ما في الحياة أن الخير ما زال يسكن بعض النفوس، وأن هناك مؤمنون إذا ظنوا بك عسرا مدوا إليك أيديهم، لا يسألون من أنت، ولا ماذا تملك، بل يكتفون بأن يكونوا بشرا في زمن يحتاج إلى المزيد من الإنسانية.

فالمظاهر قد تخدع العيون، أما الأخلاق فلا تخدع أحدا..
حينها أخبرت والدي بالقصة فضحك كثيرا عند سماعه لها..

أخيرا الإنسان قد يكون ضحية انطباع صنعته هيئة عابرة، بينما الحقيقة مختلفة تماما..


error: المحتوي محمي