11 , يونيو 2026

القطيف اليوم

بين النخلة وقصر تاروت حچايات.. عبر الزمن

في جزيرة تاروت تقف النخلة شامخةً كما اعتادت منذ آلاف السنين، فيما يلوح في الأفق "قصر تاروت" شاهداً على حضارةٍ تركت أثرها في صفحات الزمن، صورة تجمع رمزين من رموز الحياة في جزيرة تاروت، النخلة التي تمثل العطاء والصمود، وقصر تاروت الذي يجسد عظمة التاريخ وعمق الإرث الحضاري، وبينهما يمتد الزمن حاملاً قصص الأجداد وذكريات الأماكن التي كانت تنبض بالحياة.

يخطئ من يمر بقصر تاروت ويظن أنه مجرد أحجار وصخور خلقتها الأيام، فما ينبع من تحت تلك الصخور من مياه طبيعية فوارق تروي كل من يعيش على أرض "تاروت"، كانت هي طفولتنا شبابنا وتفاصيل حياة كاملة صغناها خطوة بخطوة على ضفاف "عين العودة وحمام تاروت"، وكانت لكل صخرة تحيط بعين العودة حچاية تاريخ، تقرأ تفاصيلها عندما تجلس فوق دچة العين وتنظر إلى ذلك القصر الشامخ على مر السنين.

كان حمام تاروت رفيقاً يومياً لنا، نعرف مزاجه ونحفظ منسوب مياهه، ونلجأ اليه في هجير الصيف لتبرد أجسادنا وأرواحنا بمياهه الباردة، ونمسك بصخوره الراسخة على الجانبين، والتي لم تكن تلك الصخور مجرد مكان نمسكها خوفاً من الغرق، بل كانت شاهداً على أحاديثنا العفوية وضحكاتنا التي كانت تصدح وتتردد في الأفق، بكلمات ألعابنا الشعبيّة ونحن نسبح في المياه قبل أن يسكتها صخب الغرق.

النخلة التي رافقة الإنسان في حياته وحتى في مماته لم تكن أفضل حظاً من القصر الشامخ في جزيرة تاروت، بل حظيت بالخذلان بعد أن كانت تمد الإنسان من خيراتها لكي يعيش في زمن كان الجوع والفقر يخيم على البلاد، فأعطته غداءه من ثمرها ومن جدعها وسعفها بُنِيَتْ بيوتاً ومن كربها وسجينها توقد النار للطبخ وفي الدكاكين لعمل خبز "التنور" الذي تشتهر به جزيرة تاروت.

المزارع والبساتين التي احتضنتنا في طفولتنا كنا نشاهد فيها صفوف النخيل على جانبي الطريق، وتتشكل صورة أنيقة مهيبة للنخلة كأنها أعمدة إنارة تُرشد العابرين بين البساتين، وللنخلة مقاماً كبيراً للإنسان، يذكره بالكرامة والعطاء والصبر على قسوة الطبيعة، كم من الألم عشناه كلما رأينا بستاناً يجرف ونخيل تتهاوى بلا رحمة، وتحويل البساتين والمزارع إلى قطع أراضي تباع بأغلى الأسعار، إن جرف البساتين وقطع النخيل يعد قتلاً للتأريخ وتخريبا للبيئة.

​آه آه كيف ننسى تلك السنين والذكريات، وتلك الأزقة الضيقة والزرانيق الملتوية في "الديرة" التي حفظت خطانا حفاة ومشاة، حيث كان المشي فيها يبعث في النفس الأمان وكل زرنوق فيها ينتهي بنا إما إلى دكان الطين أو الى عتبة بيت طيني من البيوت الحجرية المتقاربة، التي لم تكن تفصل بينها الأبواب بقدر ما تجمعها المحبة، تجمعنا بين صاباتها التي تحمينا من حرارة الصيف ومن زخات المطر في أيام الشتاء.

ختاماً: إن الصخور الشامخة التي يعتلي بها "قصر تاروت" ليس وليدة الأيام، بل شاهدةً على حضارة امتدت لآلاف السنين، لكن لونها بهتّ وتعرت صخورها من جور الزمان، والنخلة التي كانت رفيقاً للإنسان طول حياته، قد دبل رأسها ومال من العطش! وظلت شامخة بجدعها تنظر إلى الأرض بحثاً عن من ينقدها، لكن رفيقها الإنسان ساهم في قتلها! وجور الزمن لم يفرق بين قصر تاروت ونخلها..!!


error: المحتوي محمي