10 , يونيو 2026

القطيف اليوم

ماركوس أوريليوس والمسؤولية

اكتشفوا حقنة واحد تكفي لعلاج السرطان في الصين، كوبا استطاعت إخماد الحرائق بمادة تحمل اسمًا لا يعرف أحد حقيقته، طفلٌ مالديفي يمشي على الماء وآخر في البرازيل يطيرفي الهواء، معجون الأسنان يصنع من عظام الخنزير، ثم ماذا؟! ثم تمضي وسائل التواصل الاجتماعي في ضخّ الأخبار الغريبة والعناوين المثيرة، حتى تصبح الإشاعة جزءًا من المشهد اليومي الذي يمرّ على الناس دون توقف. لكن القضية هنا ليست قضية من اخترع الإشاعة فحسب، بل قضية أولئك الذين يمنحونها الإعجاب وإعادة النشر دون أدنى محاولة للتثبت والتأمل. بذلك فإن الإشاعة لا تنتشر بقوة صانعها فحسب، بل بكثرة من يتداولها بحسن نية أحيانًا، وبحب الإثارة أحيانًا أخرى. وهكذا تتحول الإشاعة في عصر التقنية من سلوك فردي محدود إلى ثقافة مجتمعية واسعة، تُصنع فيها القناعات، وتُشوَّه فيها الحقائق، وتُبنى فيها الأحكام على أخبار لم يتأكد أحد من صدقها… ثم ماذا بعد؟

ثم إنك -أيها القارئ- قد تشتري الأسهم والعقارات فتخسر حصيلة سنوات من عمرك بناءً على إشاعة متداولة، وقد يسافر مريض إلى عيادة دجالٍ في الطب فيكون ضحية وهمٍ قاتل، وقد يذهب آخر إلى أقاصي الأرض باحثًا عن "جنةٍ موعودة" رسمتها له المقاطع والتغريدات، ليكتشف أخيرًا أن المكان الذي وصل إليه لا يختلف كثيرًا عن حي النقا في سيهات الحبيبة. كل ذلك ما كان ليحدث لولا أنني وأنت وغيرنا نمنح الإشاعة عمرًا جديدًا كلما أعدنا إرسالها أو تداولناها دون تثبت. فالإشاعة لا تنتشر بقوة صانعها وحده، بل بكثرة من ينقلها بثقة لا تستند إلى معرفة. لقد أصبحت ثقافة التحقق من المعلومة شبه غائبة في أذهان كثير من الناس، حتى بات المرء في بعض المجالس يُحلل ويُنظّر ويُفتي في شؤون الاقتصاد والسياسة والطب والدين، فإذا سألته عن مصادره ومقدماته العلمية قال بكل بساطة: "وصلتني في رسالة واتساب". والأدهى من ذلك أن يعاتبك بعضهم أشد العتاب لأنك لم تُسلّم بصحة تغريدة مجهولة المصدر، وكأن مجرد انتشار المعلومة كافٍ لتحويلها إلى حقيقة لا يجوز التشكيك فيها.

مثلما نمنح من يُحسن الأكل في البوفيه المفتوح دون تبذير علامةً أخلاقية عالية، ومثلما ننظر بإعجاب إلى من يقود سيارته في الدوار ويحترم حقوق الآخرين وكأنه كائن نادر، ومثلما نكاد أن نشيِّد تمثالًا كتماثيل سعد زغلول وأحمد شوقي وماركوس أوريليوس في الساحات العامة لمن يحترم النساء المتعلمات لقيادة السيارات ولا يزعجهم بالمنبه، ينبغي كذلك أن نحترم أولئك الذين يملكون شجاعة حذف الرسائل الفارغة بدل إعادة نشرها، وأولئك الذين يضعون "بلوك" لكل حساب يعيش على تضليل الناس وإعادة تدوير الإشاعات. ففي زمنٍ أصبحت فيه الأكاذيب تنتقل بسرعة الضوء، صار التثبت فضيلة نادرة، وأصبح الإنسان الذي يتحقق قبل أن ينشر أشبه برجلٍ استثنائي يستحق أن يخلده التاريخ، لا لأنه فعل أمرًا خارقًا، بل لأنه مارس شيئًا بسيطًا جدًا اسمه: المسؤولية.


error: المحتوي محمي