بالأمس سمعت من بائع خضار عبارةً عفوية، لكنها تختصر درسًا اقتصاديًا كاملًا، حين قال عن ارتفاع سعر الطماطم: “الغالي هواه الترك”. توقفت عندها طويلًا؛ لأنها ليست مجرد مثل شعبي، بل قاعدة في السوق، ورسالة للمستهلك، وتنبيه للتاجر، وتذكير بأن للشراء قوة كما أن للبيع قوة.
حين ترتفع أسعار بعض السلع، خصوصًا السلع الغذائية غير الضرورية أو التي لها بدائل، يكون أمام المجتمع طريقان واضحان: الأول أن تقوم الجهات المختصة، كالأمانات والغرف التجارية والجهات الرقابية، بمتابعة الأسواق، وضبط أي تجاوز، ومنع المبالغة أو التلاعب، خصوصًا في السلع الأساسية التي تمس حياة الناس اليومية. وهذا دور مهم ومقدّر، يحفظ التوازن، ويمنع الاستغلال، ويعزز الثقة بين المستهلك والسوق.
أما الطريق الثاني، فهو الطريق الذي نملكه نحن كمستهلكين: أن نترك السلعة إذا غلا سعرها فوق المعقول. فالسوق لا يتحرك بالكلام وحده، بل يتحرك بالطلب والامتناع. إذا أقبل الناس على السلعة مهما ارتفع سعرها، فهم يرسلون للتاجر رسالة غير مباشرة تقول: ارفع ونحن نشتري. أما إذا تركوها، وبحثوا عن بدائلها، أو استغنوا عنها مؤقتًا، فإن الرسالة تصبح أقوى وأوضح: السعر لا يناسبنا.
والاقتصاد يقول بوضوح: حين يقل الطلب، يبدأ السعر في مراجعة نفسه. فالتاجر، مهما بلغت قدرته، لا يحب بقاء البضاعة على الرفوف، خصوصًا في الخضار والفواكه والمواد سريعة التلف. الطماطم اليوم غالية، وغدًا قد تذبل إن لم تجد من يشتريها. وهنا يصبح وعي المستهلك شريكًا في ضبط السوق، لا مجرد متفرج يشكو ولا يتحرك.
لا تقل: ماذا أفعل وحدي؟ فالسوق لا يتغير بفرد واحد، لكنه يتغير بعقل جمعي. ولا تقل: التاجر يستطيع أن يتحمل الخسارة؛ لأنك أنت أيضًا تستطيع أن تتحمل الاستغناء. لن نموت جوعًا إذا تركنا سلعة غالية أيامًا أو أسابيع، ولن ينقص قدر بيوتنا إن استبدلنا صنفًا بصنف، أو طبخة بطبخة، أو عادة بعادة. كثير من الشعوب في أوقات الغلاء والحروب والأزمات تعلّمت أن البدائل ليست فقرًا، بل وعيًا، وأن الترشيد ليس عجزًا، بل إدارة حكيمة للمال.
المال مالك، نعم، ولكن قرارك لا يخصك وحدك. فمن يشتري السلعة الغالية بلا اعتراض عملي، يساهم من حيث لا يشعر في تثبيت سعرها، وقد يضر بذلك الفقير ومحدود الدخل، الذي لا يملك رفاهية الاختيار كما يملكها غيره. لذلك فترك الغالي ليس مجرد مصلحة شخصية، بل موقف اجتماعي رحيم، يحفظ توازن السوق، ويخفف الضغط على من لا يستطيع.
وجميل أن يكون التاجر وطنيًا في شعوره، رحيمًا في ربحه، صادقًا في نصحه، لا يجعل حاجات الناس موسمًا للمبالغة، ولا ضيقهم فرصة لتكثير الهامش. التجارة شطارة، نعم، لكنها قبل ذلك أمانة. والربح حق مشروع، لكن الجشع لا يباركه عقل ولا يزكيه ضمير.
والأجمل من ذلك، ذلك البائع النبيل الذي ينصح الناس ألا يشتروا وقت الغلاء، خصوصًا في السلع التي ستنخفض أو تتلف سريعًا. هذا بائع يفهم السوق، ويحترم الزبون، ويعلم أن الرزق لا يأتي من استغلال الناس، بل من ثقتهم ومحبتهم وعودتهم إليه.
“الغالي هواه الترك” ليست دعوة للفوضى، ولا تحريضًا على التاجر، ولا اعتراضًا على حركة السوق الطبيعية؛ بل هي دعوة لوعي المستهلك، وعدل التاجر، ويقظة الجهات الرقابية، وتعاون المجتمع. فإذا غلا الشيء فوق حاجتنا، فلنتركه حتى يعود إلى قدره. فالأسعار أحيانًا لا تحتاج إلى صراخ كثير، بل إلى قرار هادئ: لا نشتري.
ومن عرف قيمة ماله، رحم جيبه، ومن رحم جيبه، رحم غيره، ومن ترك الغالي اليوم، علّم السوق درسًا لا ينساه غدًا.



