09 , يونيو 2026

القطيف اليوم

البحث عن متهم

في طفولتنا كنّا نملك موهبة عجيبة.

كلما تعطلت لعبة أو انكسرت قطعة أو اختفى شيء من البيت بحثنا فورًا عن متهم.

ليس لأننا نعرف الحقيقة.. فالعقل يرتاح حين يجد شخصًا أو شيئًا يعلّق عليه الحيرة ويضع في عنقه أسباب ما حدث.

ولهذا لا يكبر الإنسان بسهولة.

فبعضنا يكبر في العمر فقط بينما تبقى داخله تلك العادة القديمة نفسها بالبحث عن متهم سريع لكل ما يزعجه.

إذا اشتد الحرّ… اتُّهم الصيف..

وإذا ضاق الرزق… اتُّهم الزمن..

وإذا فسدت العلاقات… اتُّهم الناس..

وإذا ثقل القلب… اتُّهمت الظروف.

المهم أن نجد شيئًا خارجنا نحمله المسؤولية لا أن نلتفت إلى أنفسنا.

ولذلك كلما رأيت هذه العجلة في توزيع الاتهامات تذكرت ذلك المقطع العجيب من دعاء عرفة حيث يقف الإنسان أمام ربه بلا محام ولا مرافعة ولا محاولة للهروب ويقول..

«أَنَا الَّذِي أَسَأْتُ أَنَا الَّذِي أَخْطَأْتُ أَنَا الَّذِي هَمَمْتُ أَنَا الَّذِي جَهِلْتُ أَنَا الَّذِي غَفَلْتُ أَنَا الَّذِي سَهَوْتُ…»

هناك لا يبحث الإنسان عن متهم..

بل يبدأ بنفسه.

ولكننا في حياتنا اليومية نفعل العكس غالبًا فنقيم محاكم لا تنتهي ونكتب لوائح اتهام أكثر مما نكتب مراجعات ومحاسبات لأنفسنا.

وأنا أقرأ مقالة الأستاذ هلال الوحيد عن محاكمة الصيف خطر ببالي أن الصيف ربما خرج بريئًا فعلًا لكن القضية أكبر من الصيف بكثير.

فنحن لا نبحث عن الحقيقة دائمًا بقدر ما نبحث عن جهة نرتاح إلى اتهامها.

ولهذا يحدث أحيانًا أن نحاكم الأيام على أمور لم تصنعها الأيام..

ونحاكم الأماكن على أمور لم تصنعها الأماكن..

ونحاكم الناس على أمور كان لنا فيها نصيب لا يقل عن نصيبهم..

ثم نمضي مطمئنين لأن التهمة استقرّت أخيرًا في مكان ما بعيدًا عنا.

غير أن هناك متهمًا آخر لم أره يومًا في قفص الاتهام..

مع أنه يمرّ أمامنا كل يوم..

إنه الاعتياد.

ذلك الشيء الذي لا يطرق الأبواب ولا يثير الانتباه لكنه يبدّل علاقتنا بأجمل ما نملك.

فالشيء الجميل لا يفقد جماله دائمًا لأن الزمن غيّره فأحيانًا يفقد مكانته في أعيننا لأننا اعتدناه فقط.

ذلك الأب الذي يجلس كل يوم في مكانه المعتاد حتى يصبح وجوده جزءًا من المشهد اليومي فإذا غاب يومًا واحدًا فقط شعر الجميع أن شيئًا كبيرًا اختل في البيت.

وتلك الأمّ التي تراعي وتدور في حياة أسرتها من الصباح إلى المساء حتى يبدو حضورها وكأنه أمر بديهي فإذا أرهقها التعب أدرك الجميع حجم ما كانت تحمله دون شكوى أو كلام.

وذلك الصديق الصالح أو الجار الكريم أو الأخ الوفيّ لم نخسر مودته يومًا لكننا فقدنا القدرة على الانتباه لها.

نحن لا ننتبه دائمًا إلى النعم وهي تعمل في حياتنا ونلتفت إليها غالبًا حين تتعطل أو تنقطع.

فبعض النعم لا يستهلكها الزمن بقدر ما يستهلكها الاعتياد.

ولهذا أظن أن كثيرًا من شكاوانا ليست ضد الحر أو البرد أو الأيام أو الناس.

إنها في حقيقتها شكوى من شيء آخر.

من تراجع الدهشة وخفوت الامتنان ومن اعتياد الأشياء حتى تبدو عادية وهي ليست كذلك.

فذلك الرجل الذي كان يشكو باستمرار من الطريق الذي يسلكه كل يوم إلى عمله ويحفظ إشاراته ومنعطفاته وتفاصيله كلها كان يردد دائمًا أن هذا الطريق لا يحمل جديدًا.

ثم أبعدته وعكة صحية أشهرًا عن القيادة وعندما عاد إليه قال جملة علقت في ذهني..

“الطريق نفسه لم يتغير… لكنني عدت أراه.”

وربما هذه واحدة من الحقائق التي لا ننتبه إليها كثيرًا.

فالحياة لا تحتاج دائمًا إلى أشياء جديدة.

فأحيانًا تحتاج فقط إلى قلب أكثر انتباهًا.

ولهذا أرى أن أشد ما يفعله الاعتياد أنه لا ينتزع الأشياء من أيدينا وإنما يخفّف أثرها في نفوسنا.

فتصبح النعمة من تفاصيل اليوم بعد أن كانت بهجةً فيه..

ويصبح الجميل مألوفًا..

ويغدو الحضور الثمين جزءًا من المشهد حتى لا نكاد نلتفت إليه..

ثم نواصل البحث عن متهم في كل اتجاه..

بينما يقف بعض المتهمين الحقيقيين أمام أعيننا…

حتى إننا لا نفكر في مساءلتهم.


error: المحتوي محمي