09 , يونيو 2026

القطيف اليوم

كن سابقاً بخطوة

صناعة التميز قبل التخرج
في لقاءاتي الودية مع الطلاب، سواء في مراحل التعليم العام أو أثناء اللقاءات مع طلبة التخصصات الهندسية والمعمارية والسياحية وغيرها، أحرص دائماً على التأكيد على فكرة أراها من أهم مفاتيح التقدم والنجاح في الحياة العلمية والعملية، هي :
كن متقدماً و سابقاً بخطوة!

والمقصود بذلك ألا يكتفي المتعلم و الطالب بما يُقدَّم له داخل الصف أو القاعة الدراسية وخصوصاً الجامعية ، بل يسعى إلى توسيع معارفه وتنمية مهاراته والاطلاع على كل ما يتعلق بتخصصه، ليكون مستعداً للمرحلة القادمة قبل وصولها ، فكل مرحلة دراسية ينبغي أن تكون تمهيداً لما بعدها، لا محطة انتظار حتى يحين موعد الانتقال ، هذه الفكرة ليست دعوة للاستعجال ، أو الشعور بالتفوق على الآخرين ، وإنما هي تخطيط و استعداد مبكر ووعي بما يتطلبه المستقبل ، فسوق العمل اليوم لا يبحث عن حامل الشهادة فقط ، بل يبحث عن الشخص الذي يمتلك الاثنين ، الشهادة و المعرفة والمهارة والقدرة على التطور والتعلم المستمر.

   ⁃    التميز قد يصنعه ما هو خارج المقرر.
كثير من الطلاب يدرسون المواد نفسها، ويتخرجون من الجامعات نفسها، ويحملون المؤهلات نفسها، لكن الفارق بينهم يظهر عند التطبيق والإنجاز ، فالطالب الذي يقرأ خارج المنهج، ويحضر ورش العمل ، والدورات التدريبية، ويشارك في الأنشطة التطوعية أو  التخصصية، ويتابع المستجدات في مجاله، ويبحث عن الخبرات العملية، يختلف كثيراً عن غيره ممن يكتفي بالحد الأدنى المطلوب للنجاح ، وهنا تتشكل الفروقات الفردية الحقيقية، ليس في الذكاء الفطري فقط، بل في مقدار الجهد المبذول والرغبة في التعلم والاستزادة ، ومن المهم أن يدرك المربون والمعلمون والوالدان أن تنمية هذه الروح لا تحدث تلقائياً، بل تحتاج إلى تشجيع مستمر، وتحفيز ذكي، وإتاحة الفرص للأبناء للاكتشاف والتجربة ، فكل مهارة جديدة، وكل معلومة إضافية، وكل تجربة تطوعية أو ميدانية، قد تكون سبباً في فتح باب لمستقبل مهني واعد.

   ⁃    خطوة استباقية صنعت الفرق.
ومن واقع تجربة شخصية، أدركت أهمية تهيئة الأبناء مبكراً، ومساعدتهم على استثمار الفرص العلمية والمعرفية قبل أن تصبح متطلبات أكاديمية ، فأثناء وجودنا في نيوزيلندا لزيارة ابني مصطفى ،  و يعمل في شركة متخصصة في الطب التجديدي وإصلاح وتجديد الأنسجة الرخوة ، وتقوم بتطوير وتصنيع وتوزيع منتجات طبية وجراحية تساعد على التئام الجروح المعقدة وإعادة بناء الأنسجة باستخدام تقنيات المصفوفة خارج الخلية (ECM) ، وتعتمد الشركة على تقنية خاصة تُعرف باسم Ovine Forestomach Matrix (OFM)، وهي مادة حيوية مشتقة من النسيج الضام الموجود في معدة الأغنام … .) ، تزامن ذلك مع دراسة ابني عدنان في تخصص جامعي قريب من تخصص أخيه مصطفى ، وعندما طُلب عدنان  إعداد مشروع التخرج، اختار أن يتناول تلك الشركة ، فتحدث عن موقعه وأهدافه وأهميته العلمية وما يقدمه من أبحاث متقدمة ، لكن الفكرة لم تتوقف عند هذا الحد، بل بدأ بالتعاون مع أخيه مصطفى في البحث عن إضافة نوعية للمشروع ، ومن خلال النقاش بينهما، طرح فكرة الاستفادة من الحيوانات المحلية كالإبل، باعتبارها من الموارد الحيوية المهمة في مملكتنا ، وإمكانية دراسة بعض الجوانب البحثية المرتبطة بها مستقبلاً في هذا المجال ، وعندما عرض المشروع على أستاذه الجامعي، لاقت الفكرة استحساناً كبيراً ، لأنها لم تكتفِ بعرض المعلومات، بل قدمت رؤية جديدة وربطت بين التخصص والبيئة المحلية ، هذه التجربة أكدت لي أن التميز غالباً لا يأتي من أداء المطلوب فقط، بل من إضافة شيء جديد ، كما أكدت أن دور الأسرة لا يقتصر على الدعم المادي أو المتابعة الدراسية، بل يمتد إلى فتح النوافذ المعرفية للأبناء، وإتاحة الفرص لهم للاحتكاك بالتجارب والخبرات التي توسع آفاقهم.

   ⁃    دور الوالدين في صناعة المستقبل.
للأسرة دور محوري في بناء شخصية الأبناء العلمية والمهنية ، فالوالدان هما أول من يزرع حب المعرفة، وأول من يستطيع اكتشاف الميول والقدرات وتشجيعها ، وقد لا يدرك بعض الآباء والأمهات حجم الأثر الذي يمكن أن تصنعه دورة قصيرة، أو زيارة علمية، أو كتاب متخصص، أو لقاء مع صاحب خبرة في المجال الذي يحبه الابن أو الابنة ، أو توجيه تربوي أو عملي اثناء الحديث ، فمثل هذه التجارب قد تفتح آفاقاً جديدة، وتكشف مواهب كامنة، وتمنح الطالب رؤية أوسع لمستقبله المهني ، وإن تهيئة البيئة المحفزة داخل الأسرة، وتشجيع الأبناء على القراءة والبحث والتجربة والاستكشاف، من أعظم الاستثمارات التي يمكن أن يقدمها الوالدان لأبنائهما ، كما أن الحوار معهم حول اهتماماتهم، وإشراكهم في الزيارات والرحلات العلمية، وربطهم بالمتخصصين وأصحاب الخبرة، يساهم في بناء شخصية أكثر وعياً وثقة وقدرة على اتخاذ القرار.

-التعلم المستمر ثقافة حياة.
العالم يتغير بسرعة، والتخصصات تتطور باستمرار، ولذلك لم يعد التعلم مرتبطاً بمرحلة عمرية أو بمقاعد الدراسة فقط ، فالإنسان الناجح هو الذي يحافظ على فضوله المعرفي، ويستمر في تطوير نفسه، ويبحث دائماً عن الجديد في مجاله ، وكلما تعمق في فهم تخصصه، ازدادت فرصه في الإبداع والتميز والإنجاز ، وإن الرغبة في التطور، والبحث عن المعرفة، والاستعداد لبذل جهد إضافي، هي الصفات التي تصنع الفارق الحقيقي بين الأشخاص، وهي التي تجعل بعضهم قادرين على صناعة الفرص بدلاً من انتظارها.

   ⁃    نقطة أول السطر .
والتجارب أكدت أن الفرص لا تأتي دائماً مصادفة، بل كثيراً ما تُصنع من خلال بيئة أسرية تشجع على السؤال ، وتدعم التجربة، وتفتح أبواب المعرفة قبل أن تفرضها متطلبات الدراسة أو العمل ، إن إعداد الأبناء يبدأ منذ سنوات الدراسة الأولى، ويتعاظم أثره كلما اقتربوا من دخول الحياة العملية ، وحين نغرس فيهم حب الاطلاع، فإننا لا نمنحهم فرصة أفضل في الحصول على وظيفة فحسب، بل نمنحهم القدرة على صناعة مستقبلهم ، من خلال المعرفة، والتجربة، والاحتكاك بالخبرات، وفتح الأبواب أمامهم لاكتشاف قدراتهم وتنمية مهاراتهم ، والمساهمة في بناء شخصية،  مواكبة التغيرات وصناعة الفرص ؟ كن سابقاً بخطوة، لا لتنافس الآخرين فحسب، بل لتنافس نفسك كل يوم، ولتكون أكثر استعداداً لما ينتظرك غداً، وأكثر قدرة على الإبداع والإنجاز ، فالمستقبل غالباً ما يكون من نصيب الذين !
(استعدوا قبل أن يصلوا) .


error: المحتوي محمي