08 , يونيو 2026

القطيف اليوم

ذهبُ الأفراح… زينةٌ أم وجع؟

في مساءٍ كان يفترض أن يكون مبللًا بالفرح، وقفت أمٌّ أمام ابنتها وهي تمسك بعباءتها وتقول برفق:
“هيا يا ابنتي، سنذهب الليلة إلى عرس قريبتنا، فالفرح لا يكتمل إلا بحضور الأحبة.”

خفضت الفتاة عينيها، وسكتت لحظة، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
“لا أريد الذهاب يا أمي.”

ظنت الأم أن في الأمر تعبًا أو ضيقًا، فاقتربت منها وقالت:
“ولِمَ يا ابنتي؟ إنها دعوة محبة، وسنبارك لهم ونفرح معهم.”

عندها سال الكلام من قلب الفتاة قبل لسانها:
“أمي… أنا لا أملك ما يملكن. كل واحدة تدخل وكأنها تعرض صندوق ذهبها لا فرح قلبها. هذه تلبس الذهب في رقبتها ويديها، وتلك تزين رأسها بما يلمع، وثالثة تتباهى بما اشترته وما أُهدي إليها. وأنا؟ بماذا أذهب؟ بثوبي البسيط ويدي الخالية؟ لا أريد أن أكون موضع نظرات، ولا أن أعود من الفرح وفي قلبي حزن.”

حاولت الأم أن تواسيها، وقالت:
“يا ابنتي، قيمة الإنسان ليست بما يلبس، والزينة الحقيقية في الحياء والخلق والابتسامة.”

لكن الفتاة أجابت بمرارة:
“أعرف ذلك يا أمي… لكن بعض الأعراس لم تعد تشعرنا بهذا. كأن الدعوات صارت للأغنياء وحدهم، وكأن الفقير إذا حضر، حضر ليقارن نفسه بغيره، لا ليشاركهم الفرح.”

هنا تقف الحكاية، لا لتدين أحدًا، ولا لتصادر حرية أحد، ولكن لتوقظ فينا سؤالًا ناعمًا موجعًا: هل كل زينةٍ زينة؟ وهل كل ما نقدر عليه ينبغي أن نُظهره؟ وهل الفرح يزداد ببريق الذهب، أم ببريق الوجوه الصادقة والقلوب الحاضرة؟

لا أحد ينكر أن للمرأة حقها في الزينة، وأن الفرح مناسبة جمال وبهجة، لكن بين الزينة والتفاخر خيطًا رفيعًا؛ إذا انقطع، تحولت المناسبة من مجلس محبة إلى ساحة مقارنة، ومن ليلة مباركة إلى مرآةٍ قاسية يرى فيها الفقير عجزه، والمتعفف قلته، وصاحب الدخل المحدود همَّه.

ليست المشكلة في الذهب نفسه، فالذهب زينة، ولكن المبالغة في إظهاره قد تتحول إلى رسالة غير مقصودة: “انظروا ماذا نملك”. وهنا لا يعود الذهب حُليًّا على الجسد، بل ثقلًا على قلوب من لا يملكون مثله. وكم من امرأةٍ اعتذرت عن حضور فرح، لا لأنها لا تحب أهل الفرح، بل لأنها تخاف أن تدخل بسيطة فتخرج منكسرة.

إن الأعراس وُجدت لتجمع القلوب، لا لتقسم الناس إلى قادرات وغير قادرات. وُجدت ليحضر القريب والبعيد، الغني والمحدود، المتزين والمكتفي، فيفرح الجميع للعروسين بالدعاء والمحبة. فإذا تحولت بعض المظاهر إلى سببٍ للحرج، صار واجبًا علينا أن نراجع العادة قبل أن تفقد الأعراس معناها.

وليس في هذه الدعوة تضييقٌ على أحد، ولا منعٌ لزينةٍ أباحها الله، لكنها دعوة إلى الذوق الرفيع، والرحمة الراقية، والوعي الاجتماعي. فمن كانت قادرة على الذهب الكثير، فلتتذكر أن حولها من لا تملك إلا ذهب النفس وكرامة الصبر. ومن أرادت أن تتزين، فلتتزين بما لا يكسر قلب أختها، ولا يفتح باب المقارنة، ولا يجعل الفرح حكرًا على الميسورين.

ما أجمل أن تكون أعراسنا عامرة بالبساطة الراقية، لا بالمباهاة الثقيلة؛ بالمحبة لا بالمقارنة؛ بالدعاء لا بالاستعراض. فالعروس لا تحتاج إلى أن ينافسها أحد في ليلتها، والمدعوات لا يحتجن إلى سباقٍ صامتٍ في الحليّ والمظاهر. يكفي أن تأتي المرأة جميلة بسترها، راقية بحضورها، عزيزة بابتسامتها.

فلننتبه قبل أن تتحول بعض عاداتنا إلى سببٍ لمقاطعة الأعراس، وقبل أن تصبح الدعوة إلى الفرح دعوةً إلى الوجع. افتحوا أبواب أفراحكم للقلوب كلها، وراعوا من دعوتموهم، فإنهم جاءوا ليباركوا لا ليتألموا، وليفرحوا لا ليقارنوا، وليقولوا: بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.

فالفرح الحقيقي لا يقاس بوزن الذهب، بل بوزن المحبة. ولا يزدان العرس بكثرة ما يلمع على الرقاب والأيادي، بل بكثرة ما يلمع في العيون من صدق، وفي القلوب من صفاء، وفي الدعوات من بركة.


error: المحتوي محمي