07 , يونيو 2026

القطيف اليوم

فيزياء المرض

شفاكم الله من كل مرض أعزائي. حين نسمع عن مرضى, قد يتبادر إلى أذهاننا اشخاصا وقد أنهك جسدهم الألم، كبعض من فقد شيئًا من كفاءة جسده، او لعل هناك من هو لايزال يتقلب على السرير الابيض فندعو لهم بوفير الصحة والعافية. لكن مع خصوصية استخدام الكلمة, فان شيئا من التأمل في الكون من حولنا، ربما يزيدنا اقتناعًا بأن المرض ليس ظاهرة مختصة بالإنسان وحده فقط، بل يمكن توسعتها وشمولها وصياغتها في صورة قانون فيزيائي يحكم الوجود المادي بأجمعه.

سبب هكذا تأمل جانح هو ما قد يحصل لجهاز كهربائي والذي ما فتئ يعمل بكل كفاءة. وفي ذات يوم يفاجئنا بعجزه عن الدوران. وبعد الفحص تبين أن مكثفًا صغيرًا في داخله قد ضعف (ومرض) مع الزمن. فمع انه لم ينكسر ولم يحترق ولم يتوقف تماما عن العمل كليًا، لكنه بالرغم من ذلك لم يعد قادرا على تأدية وظيفته بالكفاءة التي كان عليها من قبل. لقد تلاشى وتبدد جزء من مقدرته، فاختل أداء الجهاز برمته.

بعد هذا المثال, هل تتفق معي الان على ان ما حصل للجهاز هو نوع من المرض؟

إذا ما عرفنا المرض على انه فقدان المكون لجزء من طاقته الأصلية المنضبطة مما يوثر سلبا على قدرته على أداء وظيفته على الوجه الاكمل. فانه بهكذا تعريف يمكن ان يتعدى المرض حدود الكائنات الحية ليشمل الحديد وهو يصدأ، والخشب حال التشقق، والبطاريات وقد اوهنها الضعف، والمكثفات عندما تعاني من التدهور. إذا لا توجد حدود للمرض الفيزيائي, فحتى الأنابيب تتآكل والخرسانة سوف تتفكك وتتساقط يوما ما. اما النجوم العملاقة التي تملأ السماء نورًا وحرارة فإنها ستصل في نهاية عمرها إلى مرحلة تستنزف فيها وقودها وستدخل في طور الأفول. وكأن كل شيء في هذا الكون يحمل في جيناته بذور مرضه وشيخوخته وفنائه وذلك منذ لحظة ولادته, مع كونه يستبطن بصمات التغيير والتحول التي سترافقه طوال رحلة حياته.

وهذا الفهم لا يتناقض مع كوننا قد الفنا الاستمتاع بالصحة على أساس انها هي الحالة الطبيعية (النورم)، وعلى النقيض منها فان المرض ما هو الا ذلك الاستثناء الطارئ المؤقت الذي سرعان ما سيزول. لكن قليلا من التدبر في قوانين الكون ربما يقود إلى رؤية مغايرة عما ذكر؛ وذلك في إطار معكوس يقرر بان الصحة قد تكون هي فترة الاتزان والتعادل المؤقتة، بينما التبدل المتواصل ما هو الا قلب وروح النظام الدائم المستمر. ذلك ان كل منظومة مادية مرتبطة في وجودها بما تخوضه من معركة بقاء صامتة جوهرية للحفاظ على ترتيبها الداخلي في مواجهة عوامل التفكك والتآكل والتشتت التي لا تتوقف للحظة واحدة. بلغة ابسط, فان العادة هي المرض, بينما الصحة هي الامر الخارج عن المألوف! وهذا هو ما نادى به القانون الثاني للديناميكية الحرارية الذي قرر ان الكون (ككل) متجه للتبعثر والتشتت والفناء (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

لنأخذ من جسم الإنسان مثالا واضحا على التقلب والتغير مع الزمن. مع ان خلاياه تموت (تستبدل اولا تستبدل)، وجزيئاته تتحلل وأجهزته الحيوية تعمل ليلًا ونهارًا لإصلاح ما أفسد الدهر. وما إن تتراجع قدرة الجسد على الترميم حتى تبدأ أعراض المرض بالظهور. من هذه الزاوية يصبح المرض أكثر من مجرد حالة طبية. إنه تذكير دائم بحقيقة العالم المادي كله. فكل ما رضخ للزمن سلم للتغيير، وكل ما استسلم للتحول واجه الضعف والتلاشي. 

وكما أن المريض إذا اشتد عليه المرض فانه يرفع يديه إلى السماء يتلمس الرحمة والعافية والقوة من الله سبحانه، كذلك الكون كله يعيش حالة افتقار مماثلة. فالمادة وقتما تندثر، والمعادن حينما تصدأ، والصخور لما تتشقق، والنجوم عندما تضعف، والخلايا متى تتمرض، كلها جميعًا تعلن بطريقتها الخاصة أنها ليست قائمة بذاتها، وأن استمرارها ليس من صميم وظيفتها وامكاناتها، بل ان خلقها ووجودها واستمراريتها انما هو بسبب عطاء الله المتجدد لها (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ).

بينما يعبّر الإنسان عن هذا الافتقار بالدعاء واستجلاب الرحمات في مواطنها الزمكانية، كذلك تسلك بقية الموجودات سبيل الخضوع الكامل للسنن التي أجراها الله فيها، باحتياجها الدائم إلى قدرته التي تمسكها من الفناء. فكل ذرة في هذا الكون، مهما بدت قوية أو مستقرة، تحمل في داخلها شهادة الولادة بيمناها وشهادة الموت بيسراها. الشهادة هي الدليل القائم على فقرها إلى خالقها، وعلى أن البقاء المطلق ليس من صفات المخلوقين ولا من امكاناتهم.

ختاما قارئنا العزيز, فإذا ما اردت ان تخفف على مريض فقل له بأنك بعد قراءة هذا المقال لم تعد تنظر إلى المرض على أنه حادث عارض يخص الإنسان وحده. إنك مقتنع الان على ان المرض ما هو الا جزء من قانون كوني فيزيائي شامل. قانون يحكم الأجساد والآلات والمعادن والنجوم على حد سواء. غير أن الإنسان يمتلك ميزة لا تشاركه فيها بقية الموجودات؛ فهو الوحيد القادر على أن يقرأ في المرض رسالته المختومة بالضعف والزوال كتذكير دائم له بحقيقة وجوده، وبحاجته وافتقاره الملح والمستمر لفيوضات الله على ايدي اوليائه.


error: المحتوي محمي