ورد عن الإمام الحسين (ع) في دعاء عرفة: «أَنَا الَّذِي أَسَأْتُ، أَنَا الَّذِي أَخْطَأْتُ».
من الزوايا المعرفية المهمة التي أشار لها الإمام الحسين (ع) في دعائه تلك المعادلة القيمية والأخلاقية التي ترتقي بشخصية الإنسان، وتأخذ بيده نحو طريق العلياء والتألق والتقدّم. فمحاسبة النفس، واكتشاف نقاط الضعف فيها، وما يصدر منها من أخطاء على مستوى الأحاديث أو العلاقات أو السلوكيات، يضعان نصب عيني الإنسان الاهتمام بعيوبه وأوجه التقصير لديه، بدلًا من الانشغال والالتفات إلى ما تحويه شخصيات الآخرين من عيوب.
فمن المسالك الشيطانية المكر بالإنسان الضعيف في معارفه والمتخبّط في خطاه، من خلال صرف نظره عمّا هو عليه من أخطاء وعيوب، بانصراف الهمة والجهد نحو تتبّع عثرات الآخرين وإحصائها والتركيز عليها. وليس مطلوبًا من الإنسان أن يفتح باب إدانة الناس وترصّد سلوكياتهم من أجل رصّها في ملفات خبيثة يظهرها في ساحات تصفية الخصومات وتسقيط الآخرين، بل إن الإمام الحسين (ع) يدعونا إلى فتح باب تهذيب النفس والانخراط في الإصلاح الروحي والأخلاقي، وذلك من خلال النظر في كل ما يصدر منا، ووضعه على ميزان التتبّع والتدقيق والمحاسبة.
فالمؤمن، في رسم معالم شخصيته، يضع بوصلة انتباهه واهتمامه نحو الرقابة الإلهية له في كل أحواله، وهذا ما يرسّخ في الذهن ويزرع في القلب التنبّه والحذر من الآثار والنتائج المترتبة على الوقوع في الخطايا. إذ يشعر المؤمن أنه يقف دائمًا أمام الله تعالى، وأن كل حركة وسكون منه مكشوفان عنده سبحانه. وهذا لا يولّد قلقًا يكبّل يديه أو يشلّ تفكيره عن التقدّم والعمل، بل هو تنوير وتبصير بحقائق الأمور قبل أن تخطّ قدماه في ميدان العمل، فتنشأ عنده التقوى الحقيقية التي لا تقوم على الخوف وحده، بل على الحياء من الله تعالى أيضًا، واستحضار وجوده عز وجل في كل حالاته.
فهذه المدرسة الأخلاقية لا تسلب الإنسان راحته النفسية وطمأنينته بسبب التفكير في صدور الخطايا، فلا يُراد من الإنسان أن يعيش تحت وطأة اليأس أو أن ينظر إلى المستقبل بعين التشاؤم. بل المراد منه، في سيره وسعيه نحو التكامل، أن يوازن بين خط الخوف من الله تعالى واستحضار رقابته من جهة، ومن جهة أخرى يعيش الأمل والرجاء من خلال التبصّر والاسترشاد والتطلّع إلى الرحمة الإلهية الواسعة.
وهذا ما يركّز على معالجته مقطع الدعاء من خلال استشعار الندامة والحسرة عند صدور التقصير. فكما أنه يخاف من تقصيره، ويتحمّل مسؤولية صدوره منه، ويعالج الموقف بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى، فإنه يرجو رحمة ربه التي وسعت كل شيء، فلا يمكنه يومًا أن يفرّط في الإمساك بخيط الأمل والرجاء. وهذا هو المنهج الأخلاقي الذي يُرشد إليه مقطع الدعاء، والذي أتى مفعمًا بالدموع حسرةً على ما فرّط، والرجاءَ بشموله بالرحمة والمغفرة الإلهية.
إن الاعتراف والإقرار بصدور الخطايا يوقظ الضمير وينبّهه إلى تلك المحطات التي تحتاج إلى معالجة وتصحيح، فإن من أفضل العبادات التفكّر في النفس والحذر من سيرها خلف الأهواء. فهذا التفكّر يعيد الإنسان ذاته الحقيقية بعد أن تستهلكه زخارف الدنيا وشهواتها.



