ليس المال أو المنصب أو الشهرة فقط هو كل ما يتمناه الإنسان. فهناك أعمال عظيمة تثير في النفس شعورًا مختلفًا؛ إذ يتمنى المرء لو أنها خرجت من بين يديه هو، لا لأنه يكره أصحابها أو يحسدهم، بل لأنه يعجب بالأثر الذي تركوه. إنها الغبطة النبيلة التي تدفع الإنسان إلى أن يقول بإعجاب: ليتني كنتُ صاحبها.
ففي الحياة كلمات تُقال ثم تُنسى، وأخرى تعيش عشرات السنين. وكتب تُقرأ ثم تُطوى، وأخرى تبقى حيّة في الذاكرة جيلاً بعد جيل. ومواقف تمر كأنها عابرة، لكنها في الحقيقة تصنع الخلود لأصحابها في قلوب الناس.
أمثلة ذلك في الشعر كثيرة جدا ومنها قول الشاعر الشيخ محمد رضا الأزري:
يومٌ أبو الفضلِ استجارَ به الهدى
والشمسُ من كدرِ العجاجِ لثامُها
ومنها قول دعبل الخزاعي:
مَدارِسُ آياتٍ خَلَت مِن تِلاوَةٍ
وَمَنزِلُ وَحيٍ مُقفِرُ العَرَصاتِ
ومنها قول الفرزدق:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ
وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
وأما عالم الكتب فكثيره ومنها موسوعة «الغدير في الكتاب والسنة والأدب» للعلامة عبد الحسين الأميني رضوان الله عليه. فهذا العمل لم يكن كتابًا عابرًا، بل مشروعًا علميًا ضخمًا استغرق سنوات طويلة من البحث وجمع المصادر والتحقيق. ومع مرور الزمن أصبح أثره العلمي حاضرًا، وشاهدًا على جهدٍ نادرٍ في التتبع والتوثيق، حتى غدا من الأعمال التي ارتبط اسمها بصاحبها بوصفها أثرًا علميًا خالدًا لا يُنسى.
وكذلك أمثلة المواقف كثيرة، فمن أصدق ما يعبّر عن معنى الوفاء والتضحية موقف سعيد بن عبد الله الحنفي، حين وقف أمام الإمام الحسين عليه السلام يتلقى السهام ليحميه أثناء الصلاة، ثابتًا في مكانه رغم ما أصابه من جراح، حتى سقط شهيدًا بعد أن قدّم أسمى صور الفداء والإخلاص. لقد تحوّل جسده إلى درعٍ يحمي الإمام، فخلّد التاريخ موقفه بوصفه من أعظم صور التضحية والوفاء.
وأثناء قراءتي لبعض المقالات المميزة في صحيفة القطيف اليوم، وجدت نفسي تقول ( ليتني كنت صاحبها ) . ليس بسبب معرفة أصحابها، بل لأن الفكرة كانت ناضجة، والأسلوب متقنًا، والأثر واضحًا في نفس القارئ.
فالاعتراف بإبداع الآخرين لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يكشف عن سعة الأفق ونضج الفكر. فالمبدع الحقيقي لا ينزعج من نجاح غيره، بل يفرح بكل فكرة جميلة تضيف إلى الحياة معنى.
وفي النهاية، تمر على الدنيا أسماء كثيرة ثم تغيب، لكن الأثر الصادق يبقى. فالعمر مهما طال ينتهي، أما الكلمة الجميلة، والكتاب النافع، والموقف النبيل، فقد تعيش بعد أصحابها سنوات طويلة. وربما كانت أعظم شهادة نجاح أن ينظر أحدهم إلى عملك يومًا ما ويقول بإعجابٍ صادق: ليتني كنتُ صاحبها.



