31 , مايو 2026

القطيف اليوم

حسينوه

في آخر الحارة…
كان هناك بيت لا يعرف النوم ويخلّي أهله يتقلبون على جوانبهم إلى الفجر.

لا أحد فهم سرّ ذلك البيت تمامًا.
حتى الجدران فيه بدت وكأنّها معتادة على الاستيقاظ المفاجئ بسببه وعلى الكلمات التي تقال بنصف عين مغلقة وعلى النوافذ التي تفتح قبل الفجر ثم تغلق بعصبية وتأفف.

والسبب…

ديك.

ديك أحمر وبعض الألوان الممزوجة بذنبه ممتلئ الجسم يمشي في فناء البيت بخطوات متعجرفة كموظف قديم يظن أنّ الدائرة الحكومية بنيت من أجله شخصيًا.
لا يصيح في الوقت الطبيعي كبقية خلق الله وإنما وفق برنامج داخلي لا يفهمه سوى عقله المضروب بشيء من الجنون.

مرّة عند الثانية ليلًا.
مرّة بعد العصر.
ومرةً صاح وقت المغرب حتى طلع “أبو هاني” من المسجد متبهدلًا يطالع ساعة المسجد وساعة يده كأنّه يشك أنّ الزمن نفسه اتخربط.

أما صاحبه “حمزة” فكان مقتنعًا اقتناعًا كاملًا أنّ الديك “فيه بركة”.

وحمزة هذا رجل يصلّح المكيفات نحيل طيب وبشوش الوجه ويملك تلك الروح التي تجعل الإنسان يصفعك ثم يعتذر لك بطريقة تجعلك تشكره على الصفعة.

كلما اشتكى أحد هز رأسه كأنّه يسمع كلامًا لا يستحق الرد.

قال له جارهم “أبو منذر” مرّة:

— يا حمزة… هذا ديك ولا لجنة إزعاج؟

فربّت حمزة على ريش الديك وقال بفخر:

— على الأقل صاحي… مو مثل بعض الناس صلاة الفجر تمر عليهم مرور الكرام ويشاخرون بعدها للظهر.

ثم ضحك وحده بينما الديك يهز عنقه بثقة شخص يعرف أنّ له نفوذًا داخل الفريق.

ومع الوقت…
صار الديك فردًا من المشهد اليومي.

الأطفال يقلّدون صياحه في الأزقة.
والنساء يذكرنه في جلساتهن وضحكاتهن.
وشاب من الفريق كتب في اختبار المدرسة دون انتباه:

“من أسباب التلوث السمعي: المصانع — الازدحام — ديك حمزة”.

ثم جاء “أبو راشد”.

رجل كبير متقاعد — ساكن جديد في الفريق — يحمل من النظام ما يكفي لترتيب حركة الغبار في الهواء.
يضع نعليه بمحاذاة البلاط ويغسل سيارته أكثر مما يغسل بعض الناس قلوبهم.

وفي أول ليلة…

صاح الديك عند الثالثة فجرًا.

فتح “أبو راشد” النافذة بعينين مذبوحتين من السهر، ثم قال بمرارة:

— هذا ديك ولا عنده قضية ثار ويانا؟

وفي الصباح التالي كتب رسالة طويلة في قروب الفريق عن “الذوق العام” و”احترام راحة الناس الساكنين” و”السلوك الحضاري”.

قرأ حمزة الرسالة كاملة.
ثم رد بمقطع من مسلسل “درب الزلق”.

صوت “أبو صالح” وهو يقول لـ “أقحطه”:

— حسينوه حارق ذنبة حمار الفريج مو عاجبه… ايقول من الفجر تناهق اتجلسه من النوم ولد الأكابر!

انفجر القروب بالضحك.

واحد أرسل وجوهًا باكية من الضحك.
والثاني كتب:

— خلاص… أبو راشد صار “ولد الأكابر” رسميًا.

حتى “أبو راشد” نفسه حاول يخفي ابتسامته فخانته شفته.

ومن يومها…
تحوّل الديك من مجرد ديك… إلى “حسينوه”.

إذا صاح قالوا:

— قوموا… الفنان عنده لقاء صحفي.

وإذا تأخر يومًا قالوا:

— شكله مزاجه متعكر اليوم.

والأعجب من كل هذا…
أنّ كل الفريق صار متعلقًا به بطريقة ما تقدر تشرحها.

في الفجر إذا مرّ نسيم البحر بين زرانيق الفريق وأتى صياحه من بعيد تشعر البيوت أنّ الحياة ما زالت تمشي في عروقها وأنّ النهار لم ينسَ الطريق إليها.

حتى “أبو راشد” الذي كان يهدد بتقديم شكوى رسمية صار إذا تأخر “حسينوه” يصير قلقان وبدون ما يعترف.

وفي إحدى الليالي…

اختفى الديك.

اختفى تمامًا.

مرّ الفجر ثقيلًا على الفريق كأنّ أحدهم نزع منه عادة قديمة متعود عليها.

خرج الرجال إلى أعمالهم بوجوه متجهمة.
والنساء تبادلن السؤال نفسه:

— سمعتوا حسينوه اليوم؟

حتى الأطفال كانوا أهدأ من المعتاد.

أما حمزة…
فكان يدور في الأزقة كأنه فقد فردًا من العائلة.

يفتش خلف البيوت.
ويناديه بصوت مبحوح.
ونظر داخل المسجد مرتين رغم اقتناعه المسبق أنّ الديوك لا تصلّي.

وبدأت الشكوك.

وطبعًا…
كل الأنظار اتجهت نحو “أبو راشد”.

الرجل الجديد على الفريق.
الدقيق أكثر من اللازم.
المطعون في نومه منذ أسبوعين.

تركيبة مثالية لجريمة دجاج محترمة.

حتى بائع الخضار سأله بنبرة تحقيق:

— ها… الأمور طيبة عندك يا أبو راشد؟

وفي مساء اليوم الثالث اجتمع رجال الحارة قرب بقالة “أبو محسن”.

السالفة كلّها عن “حسينوه”.

واحد يقول: انباق.
والثاني يمزح ويقول:

— أكيد انحاش عنده مواعيد مع دجاجة الفريق اللي جنبنا.

وثالث قال:

— هناك مطعم جديد خلف السوق… أوضاعه مشبوهة يمكن سواه مندي وشوربة.

ثم ظهر “أبو راشد”.

وقف قليلًا… وعدّل غترته… ثم قال:

— باقول ليكم شي أبي اعترف به.

التفت الجميع له دفعة واحدة.

حتى ذاك السنور قرب الرصيف توقّف عن تلحيس يده.

قال:

— أول ليلة… تمنّيت الديك يختفي.
وثاني ليلة… بعد.
وثالث ليلة حسّيت إنّي تعبان وأفكر فيه.

ثم تنهد.

— أمس… لما ما صاح… والله ما قدرت أنام.

ضحك بعض الرجال.

وأكمل بصوت أخف:

— الظاهر مو كل الأشياء المزعجة نكرهها… بعض الناس وبعض العادات… تدخل القلب غصب.

وفي اللحظة نفسها تقريبًا…

جاء “حسينوه” من آخر الزرنوق.

يمشي بكامل هيبته رغم بهدلة الريش، وناقصة ريشة من ذيله كأنّه راجع من مهمة سرّية لا يحق لأحد السؤال عنها… كإنه مكفّخ.

ركض إليه حمزة وهو يضحك:

— هلا هلا… ومية هلا!

أما “أبو راشد”…
فنظر إليه طويلًا، ثم قال:

— الله يرحم أيام “أبو صالح” و”اقحطه”…
شكلهم كانوا فاهمين الناس أكثر منّا.

فضحك من كان موجودًا.

ضحكة دافئة تشبه تلك الليالي القديمة حين كان الناس يتخاصمون على أشياء صغيرة… ثم يعودون آخر الليل قلوبًا تعرف طريق بعضها جيدًا.

فالناس في النهاية…
مو دائمًا يحتاجون الأشياء الكاملة حتى يحبّوها.

أحيانًا يتعلّق القلب بتفصيلة صغيرة وبعادة يومية وبكائن يزعجهم أكثر مما يريحهم ثم يكتشفون متأخرين أنّ الحياة من دون تلك التفاصيل تصير أبرد وأضيق.

ولهذا…
كثير من البيوت لا يهدمها الفقر ولا التعب ولا اختلاف الطباع.

الذي يهدمها فعلًا…
أن يعيش أهلها مع بعضهم سنوات طويلة دون أن ينتبهوا لتلك الأشياء البسيطة التي كانت تمنح أرواحهم معنى الحياة.

تمامًا مثل “حسينوه”…

ديك ما عرف الوقت يومًا،
غير أنّه عرف — بطريقته الغبية واللطيفة — كيف يجعل الفريج يشعر أنّه ما زال حيًّا.


error: المحتوي محمي