طلبت امرأةٌ غنية من خادمها أن يتزوجها فقال: يا سيدتي وماذا يقول الناسُ عنا؟ قالت له: سوف يستغربون يومًا، أو يومين، ثم ينسون فلا يَعُدْ أمرُ زواجنا يعنيهم بشيء.
أرادت أن تعطيه مثلًا من واقع الحياة على صحةِ دعواها، فأمرته أن يشتري بعيرًا كثّ الوبر ورطلًا من الشعير، ويرش الماءَ فوق ظهرِ البعير ثم ينثر الشعيرَ فوق ظهر البعير وينتظر.
بعد عدة أيام بدأ حبّ الشعير بالإنبات من فوق ظهر البعير في منظرٍ لم يحدث من قبل، فطلبت من الخادم أن يمشي بالبعير في السوق حيث يجتمع الناس.
يا للهول! أغلق الباعةُ محلاتهم، واجتمع الرجالُ والنساء والصغار والكبار، ولا شيء في البلدة سوى خبر البعير الذي نبتَ فوق ظهره الشعير. أمرته أن يفعلَ الشيءَ ذاته في اليومِ التالي، فخرج الناس ولكن أقلّ من اليوم الأول.
بعد عدة أيام، سألته سيدته: كيف ترى الأمر؟ فقال لها: لا أحد يأتي الآن ليرى البعير! أنا أسير في الطرقاتِ وحيدًا ولا من أحدٍ ينظر! فقالت له: هكذا هم الناس، يومًا أو أكثر أو أقل، ثم يعتادون على كلِّ جديد.
من الاستغراب والفضول والدهشة إلى تقبل الفكرة وتبنيها أو محاربتها. هكذا تتكون الأفكار والعادات في المجتمع البشري.
التغيير في المجتمعات لا يكون بين عشيةٍ وضحاها، بل يحصل في خطٍّ طويل. في كلِّ محطة من الطريق يعتاد الناس على ما فيها من مناظر ويكون ما في المحطة هو المنظر الطبيعي ونقطة الارتكاز، وهكذا حتى يصلوا للمحطة التي بعدها ثم تصبح كلُّ مناظر الحياة طبيعية وعادية.
أظن أنك - القارئ الكريم والقارئة الكريمة - شاهدت عادات اجتماعية كثيرة في بداية ظهورها ونشأتها لم يتقبلها المجتمع ثمّ الآن أصبحت أمرا عاديًّا، لا أحد يهتم بها!
قد يكون من البلادة أن نقف في وجه - كلّ ما هو جديد - لكن من الحصافة وبعد النظر أن ننظر ونتأمل فيما نأخذ وفيما نترك. يجب أن نختار بين ما هو جديد وفيه مصلحة لنا وبين ما هو جديد وفيه مضرة لنا.
العادات والتقاليد كائن حيّ ينمو ويتطور ويتجدد، إما في شكل سلبي أو في شكل إيجابي. هذا الكائن الحيّ قد يصبح وحشًا لا يمكن السيطرة عليه إن ترك دون قيود أو مراجعات!



