24 , مايو 2026

القطيف اليوم

العكس تُعاش

في زمنٍ مضى لانقول صورني ، كنا نقول أعكسني ، كلمة رغم بساطتها وعفويتها  ، والعكاس هو المصور، والعكس هي الصورة  ، وتعود أصول هذه الكلمة إلى شقين :
إلى اللغة الفارسية  وتعني الصورة، وانتقلت إلى اللهجة المحلية مع بدايات دخول الكاميرات والاحتياج للصور .( كونا - الباحث حسين القطان - الكويت ) .
الأصل التقني  ، اشتُقت الكلمة  من فكرة "انعكاس" الضوء ، أي عكس الضوء من الأجسام لتسجيل الصورة على الفيلم أو المستشعر، فكان يُطلق على العملية ومُخرجاتها اسم "العكس"، وعلى المصور اسم "العَكّاس". (( كونا )) 

    ⁃    كيف .
في أي مكان أتواجد فيه أو أزوره، سواء كنت بقصد التوثيق أو مسافراً أو قريباً من منطقتي ، أو موقع تاريخي، أو مبنى تراثي، أو مسجد، أو حتى ساحة رياضية، أجد نفسي أقرأ المكان قبل أن ألتقط الصورة ، أراقب حركة الظل، واتجاه الشمس، ومنافذ الضوء، وارتفاعات المباني، والألوان، والمساحات، وحتى حركة و طريقة مرور الناس في المكان !! هذه الأشياء لا تحتاج دائماً إلى ورقة وقلم، ولا إلى وقوف طويل للتأمل، بل أحياناً تحدث بشكل لحظي وسريع، وكأن العين تعتاد قراءة المشهد تلقائياً مع كثرة الممارسة.

    ⁃    زاوية وانحناء .
ومن أكثر الأمور التي تعلمتها مع الوقت، أن تغيير زاوية التصوير لا يغيّر الصورة فقط، بل يغيّر قانونها بالكامل ! نفس المكان قد يبدو عادياً من زاوية، لكنه يتحول إلى مشهد مليء بالحياة من زاوية أخرى ، ولهذا أحياناً أتحرك كثيراً قبل أن ألتقط الصورة، أقترب مرة، وأبتعد مرة، وأخفض مستوى الكاميرا أو أرفعه، فقط لأبحث عن اللحظة التي أشعر فيها أن المكان بدأ يتحدث ، وعندما تتكرر زيارة المكان، تصبح العلاقة معه أعمق ، مثل التواجد المتكرر في المسجد النبوي الشريف أو المسجد المكي  فالمشهد لا يبقى ثابتاً كما يظن البعض ، الضوء يتغير، والناس يتغيرون، والمشاعر أيضاً تتغير ، ومع كل زيارة، تُولد احتمالات جديدة للصورة، وتُفتح زوايا ربما لم نلاحظها سابقاً.

    ⁃    ويش اللي يشد انتباهك .
وأحياناً لا يشدني في المكان المبنى نفسه، بل تفصيلة صغيرة جداً قد لا ينتبه لها أحد ، يشدني لمعان معدن تحت ضوء شروق الشمس، أو بريق زجاج انعكس عليه الضوء بطريقة عابرة، أو انحناءة ظهر رجلٍ كبير في السن يمشي بهدوء، أو امرأة تقف ممسكة بكتاب دعاء في لحظة سكون ، وقد تكون الصورة كلها في مشهد أبٍ ينحني لطفله الصغير في أحد أروقة المسجد ليعلمه آية كريمة أو يساعده على القراءة، أو ذلك الزائر الذي جلس بهدوء ليشرب ماء زمزم وكأنه يستريح روحياً قبل جسده.

    ⁃    العفوية جميلة .
هذه المشاهد الإنسانية العابرة تحمل روحاً عالية في التصوير، لأنها صادقة وغير مصطنعة، وتمنح الصورة حياة لا يمكن صناعتها بالتجهيز أو التمثيل.

    ⁃    شرعاً وقانوناً .
لكن مع كل ذلك، يبقى الوعي مهماً جداً ، فالمصور الحقيقي لا ينجرف خلف اللقطة على حساب خصوصية الناس أو أنظمة المكان ، هناك فرق بين اقتناص الجمال، وبين التسبب في إزعاج الآخرين أو تجاوز الحدود الشرعية والنظامية ، ولهذا أؤمن دائماً بأهمية الاحترام، والاستئذان عند (الحاجة) ، ومراعاة الأنظمة، خاصة في الأماكن الدينية أو المواقع الحساسة أو المشاهد الإنسانية الخاصة ، ومن الأمور المهمة جداً لأي مصور، مهما كانت خبرته، ألا يكتفي فقط بالممارسة، بل يحرص على الاطلاع والقراءة ومشاهدة تجارب الآخرين ، فالتأمل في صور ونتاج المصورين المتميزين، ومحاولة فهم طريقة تفكيرهم، وكيف اختاروا الزاوية والضوء واللحظة، يفتح للمصور أبواباً جديدة للرؤية.

    ⁃    محاكاة .
وأحياناً لا تكون الفائدة في تقليد الصورة نفسها، بل في محاكاة طريقة القراءة البصرية للمشهد، وكيفية بناء التكوين، وتوزيع العناصر داخل الإطار، وفهم العلاقة بين الضوء والظل والمساحة ، كما أن معرفة بعض القوانين والأساسيات الفنية ترفع من قيمة الصورة تكوينياً وبصرياً، خصوصاً في تصوير العمارة والمباني والمواقع التراثية ، مثل فهم الخطوط، والتماثل، والعمق، والإطارات الطبيعية، والنقاط البصرية، وكيفية التعامل مع الارتفاعات والزوايا، لأن تصوير المباني ليس مجرد توجيه الكاميرا نحو الجدار أو القوس، بل محاولة لإظهار روح المكان وهيبته وتفاصيله.

    ⁃    ملول .
ومن وجهة نظري، فإن أكبر أعداء التصوير ليست الكاميرا الضعيفة، ولا قلة المعدات، بل ، الملل، والكسل، والتسويف، وعبارة “مو الحين - بعدين أصور” ، لأن المصور الذي يكتفي بالوقوف في مكانه غالباً سيحصل على صور متكررة ومتشابهة، وربما جميلة تقنياً، لكنها بلا روح حقيقية ، ولهذا نرى أحياناً صوراً كثيرة تختلف فقط في المعالجة أو الدقة، بينما الزاوية واللحظة والإحساس كلها متشابهة ،

    ⁃    أنت مصور غير .
أما المصور الذي يعيش تفاصيل المكان، فإنه ينتظر الفرصة بتأنٍ، ويتحرك، ويراقب، ويشعر بالمشهد قبل أن يضغط زر الالتقاط ، وهنا تظهر ميزة أخرى مهمة، وهي:
حكاية الصورة ، رسالتها ، هدفها !
لماذا التقط هذه الصورة تحديداً؟
ما الذي شدّني إليها؟
هل هو الضوء؟ أم الظل؟ أم شعور داخلي؟ أم لحظة إنسانية عابرة؟ حين تمتلك الصورة حكاية، تصبح أكثر من مجرد لقطة جميلة، وتتحول إلى ذاكرة وشعور ورسالة.

    ⁃    نتعلم .
وهذه الخبرة المتواضعة التي تعلمتها من التجارب الإجتماعية ، والتراثية ، والسفر ومع مرور الأيام، جعلتني أؤمن أن التصوير ليس مجرد كاميرا وعدسة، بل طريقة مختلفة لرؤية الحياة، والانتباه (للتفاصيل ) الصغيرة التي يمرّ عليها كثير من الناس دون أن يلتفتوا إليها.







error: المحتوي محمي