22 , مايو 2026

القطيف اليوم

هكذا شعرتُ وأنا أفكر في كتابة بعض من مذكراتي

كيف أبدأ؟ هذا هو السؤال الأكثر شيوعًا في عالم كتابة المذكرات الشخصية ! هناك أمران دفعاني للكتابة : 
·       أردتُ كتابة مذكراتي لعلها  تدعم البعض الذين نشأوا إما مقهورين أو تائهين, ليساعدهم على التعافي وإيجاد لهم الحلول.
·        وأردتُ أيضاً كتابتها والتي كنتُ أبحث عنها بين سطور كتاباتي  أثناء معاناتي  بالعيش مع قصتي.

إن كتابة حقيقتك, تعني تجسيد صوتك الأصيل ونبضك العميق ورؤيتك للعالم, وتجاربك الملهمة على الورق. فهي تركز على الأصالة الإنسانية بدلاً من مجرد سرد الحقائق المجردة والمتسلسلة زمنياً,  التي لا تستوقف القارئ مما يتيح لك سرد قصة مؤثرة وملهمة وقد تكون أيضا مؤلمة.

عندما نبدأ بكتابة مذكراتنا, سرعان ما نكتشف جوانب عديدة لهذه العملية: هناك القلق و والتردد والتحفظ الذي ينتاب معظم الناس عند الكتابة عن أنفسهم. وهناك تساؤلات حول فن كتابة القصص. ففي النهاية, قصتك أعمق بكثير من مجرد سرد الأحداث وتوقيتها, مع أن الأطر الزمنية مهمة عند كتابة المذكرات. وعند مواجهة هذه التساؤلات المعقدة, قد يراودك شعور بالاستسلام والانسحاب والتراجع. 

              
عندما يكتب البعض منا مذكراته بعد عقود زمنية حافلة من التجارب والمسؤولية, وكإننا مدعوون لكتابة قصتنا, روايتنا الخاصة عن حقيقة حياتناالشخصية. القصة التي نحتاج إلى سردها وللقيام بكتابتها, حينها نمارس ونستخدم الجرأة والصدق في صياغتها, وهي بحد ذاتها تحدٍّ, إذ يتخللها مراحل عديدة من الزمن, والهوية, والحقيقة, والنتيجة لإستكشافها, وسيظهر المزيد منها أثناء الكتابة. ولعل البعض يتساءل: "كيف لي أن أثق بها؟" وأنا من تطاردني وتؤرقني الفكرة لكتابة تلك المذكرات الشخصية, لعلني من خلالها أتحرر وأتشافى من بعض الأوجاع العميقة, حيث أمضيت وقتًا مترددًة للحديث عنها, وغير متأكدة تماما من قدرتي وجرأتي على سردها ونشرها كما ينبغي!

حاولتُ مرارا تأجيل الفكرة حيث كان على مستواي الشخصي مؤلمًا العودة إلى الماضي, واستحضار مشاهد المعاناة والتعب والمسؤولية المبكرة الثقيلة التي عشتها في طفولتي وبإرادتي ورغبتي, والتي كانت تفوق إمكاناتي وصغر سني, رغم أنني كنت أستمتع باللحظات الإنسانية بفطرتي وعفويتي مع عائلتي أعني بعض من أشقائي الأعزاء. ولم أكن أعتقد أنني أستطيع الكتابة عنها كما يجب.  كنت أخشى تدوين ما هو حقيقي لكنه لم يُقال. وكنت أعلم أن بعض من أشقائي سيشهدوا على ذلك بشدة, لو كانوا الآن على قيد الحياة. لكن حتى بعد رحيلهم, كانت فكرة الكتابة العميقة والدقيقة عبر حدود الزمن تحديًا كبيرًا وخارجا عن المألوف إجتماعيا.

لا أخفيكم,  كنت قلقًة من كشف حياتي وظروفي القاسية, وإذا أنهيت تلك المذكرات مما سيجعلني, أكتب وأعيد الكتابة لفترة طويلة قبل أن أشعر بأنني قادرة على بثها. كان هناك شعور بالخصوصية والتحفظ وإحترام الوجع الخفي  أيضاً, لأنني عشت بعض الأحداث المؤلمة على أرض الواقع.  ترى هل تراودك أي من هذه المخاوف والقلق بشأن مذكراتك لو لديك بعض منها؟

ولكن كيف يمكنني أن لا أقلق بشأن رد فعل البعض, وكيف يمكن للبعض أن لا يزرع بذور الشك في صحة سرد  تلك القصص الشخصية! ومع هذا لقد تناولت صوت الناقد الداخلي في بعض نصوصي السابقة! ولعل هذه الفكرة تلهم البعض لتجربة شيء مشابه! ليسرد تجاربه ويشرع في كتابتها! وقد يبدو ذلك رائعا وليس شرطا للنشر !

هذا يعني أن لكل مرحلة من مراحل الكتابة ولكل تحدٍّ حلاً محتملاً, سيتطور مع تقدمنا ​​في ذلك. علينا أن نواصل الكتابة كيفما شئنا بإصرار وعزيمة, بأن الأمور ستسير على ما يرام. من المهم الحفاظ على الشغف والحافز, لسرد مذكراتنا مهما كانت الظروف والمواقف. آملة أن نكتسب القوة والجرأة مع كل مرحلة جديدة من مراحل الكتابة. وما أرويه هنا لاحقا عن الماضي هي "الرواية والحكاية الوحيدة الواقعية بأدق تفاصيلها". وعلي أن أتقبل بأنني لست وحدي أيضا! فالبعض قد تراودهم الشكوك حول بعض القصص والكتابات, وكيف سيفسر الآخرون أحداث وتفاصيل القصة بشكل مختلف, ويرونها من منظورهم الخاص ولعل البعض حسب مزاجهم أيضا.

لنتذكر: عندما نبدأ الكتابة بسرد بعض الحكايات الذاتية,  قد لا تكون القصة قد نُشرت من قبل أو من بعد ستنشر. حيث لا تزال في الأذهان, تتوق للخروج للنور. لذا, فإن القلق بشأن النشر في البداية وارد, علينا أن نشعر بالحرية والأمانة والمصداقية في الكتابة بينما نستكشف ما يجب أن تكون عليه قصصنا. علينا أن نشعر بالحرية في الغوص عميقًا في تلك اللحظات, التي  جسدتنا وشكلتنا وجعلتنا ما نحن عليه الآن, وأن نكشف ما تعلمناه بمجرد فهمه وإدراك أبعاده!  وهذا جزء من عملية الكتابة السردية الذاتية. فإننا  هنا نمنح القارئ فرصة للتعلم من  بعض تجاربنا. لنستكشف هذه الأفكار على انفراد في البداية, بينما نكتب مشهدًا تلو الآخر.

وهنا تكمن حكمة عظيمة في كشف القصص التي تحتاج إلى سردها وتدوينها. عندما تبدأ الكتابة, غالبًا ما تكون غير مدركا تمامًا لعمق حكمتك الكامنة. لذا, في هذه المرحلة, ضع في اعتبارك النقاط التالية المتعلقة بالتواصل مع الآخرين والعائلة:

·       اكتب لنفسك أولًا, وتجاوز ما كتبته أو ذكرته سابقًا. 
·       اكتب بحرية دون تردد دون توقف, لدقائق لتجاوز صوتك الداخلي الناقد. وتخيل عائلتك بعيدة عن مكان كتابتك.
·       اكتب بعمق عن حقائقك الداخلية, وتجاربك الجريئة  التي شكلت شخصيتك. 
·        وأنت تكتب, تخيل أنك في مكان هادئ وآمن, حيث لا يُسمع إلا صوتك وبعض تنهداتك, وحتما ستكون هناك دموع خجلة وخفية عند منعطفات الكتابة. 
·        وأنت تكتب, ضع صورًا من حولك لعلها تُلهمك للكتابة. اكتب انطلاقًا من صورة أوِ قصة تلك اللحظة كما تتذكرها. ومن في الصورة؟ متى وأين ولماذا التُقطت؟ ما هي أجمل ذكرياتك المتعلقة بالصورة التي اخترتها؟ ماذا حدث بعد التقاطها؟
·       أعد كتابة الأنماط اللاواعية التي تُشكّل حياتك الإنسانية, وأقنع البعض بصدق مشاعرك. قبل أن تقنعهم  بكلماتك.
·       راجع بعض مما كتبته من عملية الكتابة, بعد المسودة الأولى, أو حتى الثانية أو الثالثة.

ماقمت به من التضحيات والمسؤوليات ليست عشوائيًة مني أبدًا, حتى عندما تبدو مُربكًة أو خارجًة عن سيطرتي. فالأشخاص الذين نعتني ونهتم بهم ونحافظ عليهم, والأنماط التي نكررها, واللحظات التي تُسلّم وتنسى فيها نفسك لتشعر بأنك مُختار لذلك, كلها لها جذور عميقة متأصلة في أرواحنا وأقدارنا, وحتى ممارسة العمل الإنساني المبكر في هذه الحياة,  تجعلنا ندرك ونفهم سبب إختيارنا للدروب الصعبة, التي نختارها  وإن كانت فوق المألوف يساعدنا في التواصل انطلاقًا من الثقة بالنفس والإيمان بالله.

هذا ما تعلمته من خلال التجربة المبكرة. فمنذ نعومة أظافري, ومن خلال الحياة الصعبة تُعلّمت شعور التقارب مع أشقائي, ومدى أمان التعبير عن مشاعري نحوهم,وما إذا كانت احتياجاتهم ستُلبّى أم تُهمل من خلالي.  حيث كنت دائما معهم, نتكيف بشكل طبيعي مع هذه الديناميكيات للحفاظ على ارتباطنا معا. لكن عندما حملت هذه الأعباء الثقيلة إلى مرحلة البلوغ, قد أثرت علي بشكل خفي وأثقلت كاهلي والأجمل قد صقلت شخصيتي.  

في مراحل لاحقة من حياتنا, قد نخلط بين القلق والشغف, أو بين التخلي عن المسؤولية والعطاء، أو بين عدم التكافئ الإنساني بالغموض غالبًا لأنها تبدو مألوفة على مستوى اللاوعي. يأتي الشفاء والتحرر عندما نُسلّط الضوء على تأثيرات الماضي ونُعيد برمجة جهازنا العصبي وقناعاتنا اللاواعية بلطف. هذا هو سرّ بناء علاقات أفضل, وثقة أكبر بالنفس, وأن نصبح  شخصيات ملهمة للغاية في جميع علاقاتنا هنا وهناك.


error: المحتوي محمي