19 , مايو 2026

القطيف اليوم

ما زلتُ عاشقًا

تمرّ الأعوام عامًا تلو الآخر، والذكريات تقبع في النفس، لا تنفك عنها أبدًا، كأنها شريط أو حلقة متصلة مع بعضها البعض. فالحديث عنها أنين موجع، خصوصًا إذا كانت عن الوالدين رحمهم الله تعالى، ومُسلٍّ إذا طافت فيها لحظات أُنس وفرح معهم، لكنهم رحلوا، وهذه سنة الله في خلقه، فنحن وهم ضيوف في هذه الحياة.

فالأصعب عندما يذهب الواحد إلى أماكن خلت من وجود أغلبهم، مثل ديرتنا الحبيبة تاروت، تلك الديرة عندما تتجول فيها تجد نفسك تعيش الماضي بكل تفاصيله، فتقول: هنا كان بيت فلان، وهنا دكان فلان، وهنا تعلمت في بيت المعلمة الفلانية، وهنا لعبت، وهنا وهنا.

قبل أربعة أيام تحديدًا، يوم الجمعة الماضي، وأنا أمشي، التقيت بمجموعة من النساء، وهن من خارج المنطقة طبعًا، من الأحساء. بعد السلام، قالت إحداهن: هل أنت من عايشة هنا؟ (تقصد ساكنة هنا)، قلت لها: كنت، لكني لا زلت أعشق هنا. قالت: أبغى أعرف شعور سكان هذه المنازل (البيوت). قلت لها: أكيد يحبوا هنا، لدرجة أن بعضهم جدد بناء منزله كي لا يترك الديرة. ردت عليّ: لاحظت هالشي، وهذا زاد عجبي فيها، وهذه المرة الثانية تتكرر زيارتي لها.

بعد الوداع والسلام معهم، قلت في نفسي: هي أصلنا، لأنها جدودنا. كالقراءة، حب متجذر في بعضنا دون الطرف الآخر، لأن البعض لا يحبها، أو بالأحرى لا يجد الوقت الكافي للقراءة، فلديه الكثير من المشاغل اليومية، فنحن نشغل أنفسنا للترويح عنها تارة، وتارة أخرى لتسليتها.

اقرؤوا أو اكتبوا، فأعمارنا قصيرة، وإن طال بنا العمر فلا بد لنا من الرحيل. نحن اليوم فوق الأرض وغدًا تحتها، فلنجعل ختامًا مسكًا، وعطر ذاكرة لا ينضب.


error: المحتوي محمي