15 , مايو 2026

القطيف اليوم

اللا مبالاة التي تصنع السعادة

“كيف تكون سعيدًا؟” سؤال امتلأت به الكتب والمقالات والدورات التدريبية، وكأن السعادة وصفة جاهزة يمكن تلخيصها في خطوات معدودة. غير أن كثيرًا من هذه الإجابات، في تقديري، لا تقود إلى السعادة بقدر ما تقود إلى نقيضها. وبعد تأمل طويل في ما كُتب حول هذا الموضوع، انتهيت إلى أن السعادة تكمن في نوع خاص من اللامبالاة. وحتى لا يُساء فهم هذا التعبير، فإني لا أقصد اللامبالاة التي تعني الإهمال أو التراخي أو العزوف عن بذل الجهد، بل أعني أن يجتهد الإنسان في كل ما يستطيع، ثم لا يجعل راحته النفسية معلقة على تحقق النتائج التي رسمها في ذهنه. فكثير من صور البؤس تبدأ عندما يربط الإنسان سعادته بنتيجة معينة، ويظن أنه إذا بلغها بلغ الطمأنينة. لكنه يكتشف أن النتائج أشبه بسراب متحرك؛ كلما اقترب منها ظهرت له نتائج أخرى أبعد منها، فيظل يؤجل سعادته إلى محطة لا يصل إليها أبدًا. وهكذا يتبين أن الفرق كبير بين إنسان لا يبالي بالنتائج بعد أن أدى ما عليه، وإنسان لا يبالي لأنه لم يفعل شيئًا أصلًا. الأول بلغ درجة من النضج والتحرر، أما الثاني فاستسلم للإهمال والكسل.

في عالم السوشيال ميديا، يعرض كثير من الناس صورًا منتقاة لمظاهر النجاح والسعادة: سيارات فارهة، ومنازل مترفة، ورحلات إلى بقاع تبدو كأنها جنان الله في الأرض. فيتولد لدى كثيرين انطباع بأن السعادة كامنة في امتلاك هذه الصور ذاتها. غير أن علم النفس يقرر أن الإنسان يعتاد سريعًا على ما يحصل عليه؛ فما يبدو اليوم حلمًا كبيرًا يتحول بعد مدة قصيرة إلى أمر مألوف، ثم تبدأ النفس في البحث عن هدف جديد. ومن هنا فإن المكاسب المادية لا تمنح رضا دائمًا، بل ترفع سقف التوقعات وتؤسس لرغبات لا تنتهي. وقد تنبه الفلاسفة إلى أن الشقاء لا ينشأ من فقد الأشياء، بل من تعليق الطمأنينة عليها. فالإنسان لا يتألم لأنه لم يملك شيئًا معينًا، وإنما لأنه أقنع نفسه بأن سعادته مرهونة به. وهكذا أسهمت وسائل التواصل في زيادة بؤس كثير من الناس، لا لأنها حرمتهم، بل لأنها رفعت معايير السعادة إلى مستويات متحركة. فالنتائج أشبه بسراب يبتعد كلما اقتربنا منه، أما السعادة الحقيقية فتكمن في أن يجتهد الإنسان في طلب ما يريد، ثم يتحرر من الارتهان لما إذا كان سيبلغه أم لا.

هناك فرق جوهري بين الرضا بالنتائج والرضا بالمقدمات. فالنتائج ليست كلها في قبضة الإنسان، أما المقدمات فهي الميدان الذي يملك فيه إرادته وجهده واختياره. لذلك كن راضيًا عن صدق سعيك، مطمئنًا إلى أنك بذلت ما تستطيع، ولا تجعل سكينتك معلقة بما ستؤول إليه الأمور. ولعل أبلغ ما يجسد هذا المعنى الحوار الذي دار بين الإمام الحسين وابنه علي الأكبر عليهما السلام في طريق كربلاء. فقد قال علي الأكبر في الرواية: «يا أبتِ، ألسنا على الحق؟» فقال الإمام الحسين عليه السلام: «بلى، والذي إليه مرجع العباد». فقال علي الأكبر عليه السلام: «إذًا لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا». هذه الكلمات تختصر سر الطمأنينة كلها؛ أن يتأكد الإنسان من صحة الطريق، ثم يمضي فيه بكل ما أوتي من جهد، دون أن يبالي بالنتائج. فمن رضي بمقدمات عمله استراح، ومن علّق رضاه على نتائجه ظل يطارد سرابًا لا ينتهي.


error: المحتوي محمي