12 , مايو 2026

القطيف اليوم

أساليب اجتماعية خاطئة تحتاج لتصحيح

رغم الانشغال بمتطلبات الحياة، واستغراق الأفكار في متابعة القنوات الإلكترونية والفضائية متعددة المسميات، لا تزال علاقاتنا البينية متميزة «أفضل من غيرنا بكثير»، أواصرها متينة وقوية، وأبرز مصاديقها مشاركاتنا في المناسبات اليومية، ووقوفنا إلى جانب بعضنا في السراء والضراء.

ولكن للأسف، هذه الصفات المحمودة تشوبها تصرفات عشوائية من بعض الجهلاء، تذهب بمحاسنها، أكتفي بذكر ثلاث منها؛ علّنا نتفهم عيوبها فنتركها:

أولاً: في حالة الوفاة:
ما أن نسمع بجنازة قريب أو صديق أو ابن البلد، نتهافت سريعًا لتشييعها «مبادرة طيبة، أجر وثواب»، لكن الذي يشينها التهريج والضحك والفضول أثناء المشي خلفها، وتناول الأحاديث حتى وصولها إلى القبر ويُهال عليها التراب وأعيننا تنظر. أين العِبرة هنا؟ ذهبت في مهب الريح، لأننا مشغولون في تعليقات مزاحية، وسؤال بما لا يعني، فقط لمعرفة المتطفل ما خفي عليه من سبب موته، وسيرته الذاتية، وما ترك من مال وعقار، وكم عدد أولاده، ويحسب بدقة حصة كل وارث، كأنه وكيل على توزيعها، وإن كنتَ المعني بها ليس هنا.

ومن قائل: تصالح مع إخوانه؟ انتهت قضيته مع زوجته في المحكمة بصلح أو طلاق؟ أو هي قائمة إلى الآن؟ خلافه مع جاره أو تراضيا؟ ما دخلك فيما تساءلت عنه في هذا المكان والوقت؟ لو احتاجك المرحوم في حياته ما نفعته، أو مرض ما عدته.

والجنس الناعم يدخلن على فاقدة لزوجها، محزونة بأمها وأبيها، مثكولة برحيل وحيدها، فيتحول مجلس العزاء حولها إلى ديوانية فكاهة واستطلاع صحفي كامل عن الفقيد: ما به؟ مصاب بالخبيث أو سكتة قلبية؟ في البيت كان أو في المشفى؟ إذا كان حادثًا فمن المخطئ؟ يقال تفحمت جثته لدرجة لم يُغسّل… ووو؟

مات ودُفن رحمه الله، ما هذا الاهتمام؟ وإذا وُضعت وجبة العشاء تسابقن كأنها وليمة فرح دُعين إليها. {من عشرين سنة زعلن قريبات لشاب توفي مأساويًا لأنهن لم يحصلن على مقبلات كغيرهن، علمًا أن الشرع يكره الأكل منها}.

هل هذه التساؤلات والشرهات في محلها؟ لِمَ لا نؤخر الحديث عنها فيما بعد في المجالس بيننا، بذكر محاسنه وترك مثالبه؟ نواصل ما قلناه عند الصلاة عليه: «اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرًا، زد في حسناته، وتجاوز عن سيئاته، وارحمه وإيانا».

ثرثرة، وغيبة، ونميمة، وبهتان، والميت محمول على الأعناق حتى يُغيَّب في ملحودته ويُغطى بالتراب، والملائكة عنده، وأنت تنشر كذبًا أو ما سُتر، وأهله في فجيعة يكفكفون دموعهم.

ثانيًا: التدخل في شؤون الغير:
يأتي ليبارك بالمنزل الجديد، فلا يصوّب لصاحبه صنيعه، ولا يحبب اختياره، ولا يشيد بموقعه وألوانه وهندسته، بل يعيبها كأنه استُشير قبل أن يبدأ العمل، ليعطي رأيًا في كل صغيرة وكبيرة من خصوصيات البيت.

لا يعجبه شيء من ضيافة قُدمت له، يتطلب غير المتوفر، يسبب حرجًا، فيخرج بعدها وقد حطم معنويات عالية قبل مجيئه، ويتمنى المُضيِّف لو لم يزره، لقد عكر صفوه وأمات فرحة عمره.

مالك وأذواق الآخرين وما اختاروه لأنفسهم؟ ربما بعد أن اشتعل الرأس شيبًا أنشأ ما رأيت، وأكرمك بأحسن ما عنده. إنه يعاني من ديون أثقلت ظهره، وأنت زدت همه، ومكنت خنجرًا مسمومًا من قلبه لا يشفيه دواء.

ثالثًا: حين تلد بعد عناء:
وهي مسرورة مبتسمة، خصوصًا إن كان الأول لها، يدخلن عليها نساء قومها للتهنئة بسلامتها وبما ولدت، وهي العادة «شيء جميل»، لكن الخطأ عندما يتداولن المولود، فلا يسترن عيوبًا فيه إن وجدت، بل قائمة انتقادات: لا شعر في رأسه، عيناه صغيرتان، في اليمنى حول، أذناه كبيرتان، أسمر البشرة، اعوجاج في رجليه، جبهته بارزة، لا يشبه أباه… إلى درجة تشك الأم أن يكون هذا ولدها، أكيد أُبدل بغيره!

فإذا كان الأب قليل الثقافة الوراثية وأحكامها، يظن أن زوجته ـ لا سمح الله ـ وهي بريئة من ذلك.

وأخرى تسأل: ما اسمه؟ «ح» هذا مسمى قديم، عدمت الأسماء وقلت؟ لم لا سميتموه بجديدها «ر» مثلًا؟ لكِ أن تختاري لابنك ما تشائين، ودعي غيرك يختار.

وإن توفي الجنين، فالسؤال: بنتًا أو ولدًا؟ دُفن، فما الفرق إن كان ذا أو ذاك؟ لماذا وهي في حسرة؟

لنكن عقلاء واعين، بعيدين عن اللغو، حتى لا تذهب سيئاتنا بالحسنات.


error: المحتوي محمي