09 , مايو 2026

القطيف اليوم

إصلاح ذات البين من منظور الكوتشينج والذكاء العاطفي

ألهمني الأستاذ القدير محمد مال الله بموضوعه:  "كيف يعيد الكوتشينج ترميم العلاقات؟

على أن أكتب هذا الموضوع الذي أعتبره استكمالاً وتعضيداً لما كتب الأستاذ 
•    فكم من علاقةٍ انهارت… ليس بسبب غياب الحب، بل بسبب غياب الفهم؟
•    وكم من بيتٍ امتلأ بالصمت البارد، لأن كل طرف كان يريد أن يُسمَع… دون أن يَسمع؟
•    وكم من خلافٍ طال أمده، لا لأن المشكلة مستحيلة الحل، بل لأن المشاعر التي خلف الكلمات لم تجد من يفهمها بوعي ورحمة؟

هنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى منهجٍ مختلف في “إصلاح ذات البين”…
منهج لا يقوم فقط على تقديم النصيحة، بل على:
•    صناعة مساحة آمنة للفهم، 
•    والوعي، 
•    والإصغاء العميق.

ومن وجهة نظري — المبنية على أكثر من عشر سنوات في ممارسة الكوتشينج مع الأفراد والقادة، والمساهمة في حل بعض التحديات الزوجية والأسرية من خلال منهج الكوتشينج — أرى أن "مصلحي ذات البين" بحاجة ماسّة إلى تعلم مهارات الكوتشينج وتوظيفها في هذا المجال الإنساني العظيم.

يقول الله تعالى:
﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، سورة النساء – 114

هذه الآية العظيمة لا تتحدث فقط عن “حل الخلافات”، بل تشير إلى قيمة إنسانية وروحية عميقة تتمثل في إعادة بناء الوصل بين القلوب.

لكن الواقع يُظهر أن كثيرًا من محاولات الإصلاح — رغم حسن وصدق النية — قد لا تحقق الأثر المطلوب والمستدام، لأن التركيز يكون أحيانًا على:
•    من المخطئ؟
•    من يجب أن يعتذر؟
•    ومن ينبغي أن يتنازل؟

بينما يبقى الجانب الأهم غائبًا:
•    “ماذا يشعر كل طرف؟”
•    و“ما الاحتياج الإنساني غير المعبّر عنه خلف هذا الخلاف؟”

وهنا تحديدًا تبرز قيمة الكوتشينج. 
فالكوتشينج الحقيقي لا يقوم على إصدار الأحكام أو فرض الحلول، بل على:
•    الإصغاء العميق،
•    وطرح الأسئلة الواعية،
•    ومساعدة الإنسان على فهم ذاته،
•    واكتشاف مشاعره ودوافعه،
•    ورؤية أثر سلوكياته على الآخرين بوعي ومسؤولية.

لكنني أعتقد بإن مهارات الكوتشينج وحدها — رغم أهميتها ونجاعتها — ستصبح أكثر قوة وتأثيرًا عندما تتكامل مع استعمال مهارات “الذكاء العاطفي”.

وكممارس معتمد في “الذكاء العاطفي” منذ أكثر من ثماني سنوات، أرى أن فهم الجوانب الأربعة “للذكاء العاطفي” وتطبيقها في سياق “إصلاح ذات البين” يمكن أن يحدث فرقًا عميقًا في طبيعة العلاقات الإنسانية، خصوصًا العلاقات الزوجية والأسرية.

وتتمثل هذه الجوانب في:
أولًا: الوعي الذاتي
وهو قدرة الإنسان على فهم ذاته بصدق؛ أن يدرك أفكاره، ومشاعره، ودوافعه، وما الذي يثير غضبه أو خوفه أو حساسيته.

فكثير من الناس لا يتصرفون انطلاقًا من وعي… بل من جروحٍ داخلية غير مفهومة.

ثانيًا: إدارة الذات
وهي قدرة الإنسان على تهدئة اندفاعه، والتوقف قبل ردّ الفعل، والنظر بوعي إلى أثر كلماته وتصرفاته على نفسه وعلى من يحب.

وقد عبّر أحد الشعراء قديمًا عن عمق أثر الكلمات بقوله:
“جراحاتُ السِّنانِ لها التئامُ .......... ولا يلتامُ ما جرح اللسانُ”

فبعض الكلمات قد تُقال في لحظة انفعال… لكنها تبقى طويلًا في ذاكرة الإنسان وقلبه. 

ثالثًا: الوعي الاجتماعي
وهو القدرة على فهم الآخرين والتعاطف معهم، ومحاولة رؤية العالم من زاويتهم هم، لا من زاويتنا فقط.

وفي كثير من الخلافات، لا يكون أصل المشكلة هو الحدث نفسه، بل شعور أحد الطرفين بأنه غير مفهوم، أو غير مقدّر، أو غير مرئي عاطفيًا.

رابعًا: إدارة العلاقات
وهي القدرة على بناء جسور التفاهم والثقة والرحمة، وتوظيف التعاطف والإصغاء والاهتمام الحقيقي بالآخرين في تقوية العلاقات بدل إنهاكها.

فالنجاح الحقيقي في "إصلاح ذات البين" لا يتمثل فقط في إنهاء الخلاف، بل في إعادة بناء الأمان العاطفي والثقة والرحمة بين القلوب.

إن توظيف مهارات الكوتشينج والذكاء العاطفي في "إصلاح ذات البين" لا يحول العلاقات من علاقات جافة إلى علاقات أكثر هدوءًا فحسب، بل قد يخلق — بإذن الله — نوعًا من “التعاون الخلّاق (Synergy)” الذي يشعر فيه كل طرف بأنه مفهوم، ومقدّر، وآمن نفسيًا.

فحين يشعر الإنسان بأنه مفهوم… يهدأ. وحين يهدأ… يبدأ في الإصغاء. وحين يصغي بصدق… تبدأ العلاقة بالتعافي.

وربما لا تحتاج بعض العلاقات إلى مزيدٍ من الجدل… بل إلى شخصٍ يُحسن الإصغاء، ويُتقن فهم المشاعر، ويملك القدرة على تحويل الألم إلى وعي، وردود الأفعال إلى فهم، والخلاف إلى فرصة للنمو.

وهنا تحديدًا يمكن للكوتشينج والذكاء العاطفي أن يصبحا من أعظم أدوات "إصلاح ذات البين"


error: المحتوي محمي