يبدو أن فصل الصيف جاء وما أدراك ما فصل الصيف عندنا!
لفت نظري فجر يوم الأربعاء، السادس من شهر مايو، منظر صبيين في مقتبل العمر خطرا على إطار واحد فوق دراجة نارية، وبسرعة البرق دون توقف بين صفوف السيارات الواقفة في انتظار إشارة المرور، كيف نجى الصبيان؟ منظر بشع جدًّا يتكرر كثيرًا، لكنه ملهم!
هذه التفاصيل اليومية في حياتنا من يدبرها؟ من يحمينا من شرور أنفسنا؟ من يحمينا من شرور الآخرين؟ أعطيكم شاهدًا لا يمكن إنكاره أن تفاصيل حياتي وحياتكم من خلفها لطف خفي:
صبي صغير دفعه إخوته إلى قعر جبّ غزير. ماذا تظنون أن يحدث للصبيّ في قاع الجبّ؟ أنقل لكم ما قاله المفسرون وأنتم تتأكدون بأنفسكم:
"جماعة مارة قالوا وإنما جاءت من قبل مدين يريدون مصر فأخطأوا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير الطريق حتى نزلوا قريباً من الجب وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران وإنما هو للرعاة والمجتازة وكانَ ماؤهُ مِلحاً فعذب. وقيل: كان الجب بظهر الطريق { فأرسلوا واردهم} أي فبعثوا من يطلب لهم الماء يقال بعثوا رجلاً يقال له مالك بن زعر ليطلبَ لهم الماء { فأدلى دلوه } أي أرسل دلوه في البئر ليستقي فتعلق يوسف (ع) بالحبل فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان".
أنتم تعرفون حكاية النبي يوسف عليه السلام وكيف جاءته ألطاف الله من كل مكان وفي كل فصل من حياته حتى أنه يقول: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.
أنا الضعيف وأنت، كيف نقضي يومنا مثل سفن تعبر بحرًا من المشاكل ثم ننجو كلنا بلطف من الله سبحانه وتعالى؟! في الطريق، في الشغل، في كل مكان لو حرمنا الله لحظةً واحدة من لطفه هلكنا!
{ قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}.
ثمّ يأتي من الناس من يحتار، من يشك في الله، من ينكر مع كل هذه الألطاف!
أنا شخصيًّا أرى لطف الله سبحانه وتعالى في حياتي وحياة عائلتي كل حين. ربما يأتي يوم أحكي بعضًا من هذه الحكايات الجميلة.
خذ شاهدًا آخر لا يمكن دفعه:
أم ترمي رضيعها في اليمّ، البحر الذي تغرق فيه الرجال. يرسل القاتل الذي يبحث عن الرضيع من ينقذه من الغرق ويربيه في قصره ويحدث بعد ذلك لنبيّ الله موسى عليه السلام ما تعرفونه مما ذكره القرآن الكريم:
{وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}.
ليست الحكاية حكاية فردٍ واحد، إنما عالم كله، يسير بلطف ورعاية من الله سبحانه وتعالى. هذه المرافقة، بين الإنسان واللطف، من خلفها ربّ {لطيف خبير}. يختصر الإمام علي عليه السلام روعة لطف الله سبحانه وتعالى في أبيات شعر:
وَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيٍّ .. يَدِقُّ خَفاهُ عَن فَهمِ الذَكيِّ
وَكَم يُسرٍ أَتى مِن بَعدِ عُسرٍ .. فَفَرَّجَ كُرْبَة القَلْبِ الشَجيِّ
وَكَم أَمرٍ تُساءُ بِهِ صَباحاً .. وَتَأتيكَ المَسَرَّةُ بِالعَشيِّ
إِذا ضاقَت بِكَ الأَحوالُ يَوماً .. فَثِق بِالواحِدِ الفَردِ العَلِيِّ
وَلا تَجزَع إِذا ما نابَ خَطبٌ .. فَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيِّ
ترافقت كلمتا "خبير" و"لطيف" مرارًا كثيرة في القرآن الكريم فما الغرض من ذلك؟



