⁃ الرفقة الطيبة.
ليست كل الرحلات تُقاس بوصولها، ولا كل الأهداف والخطط تُحاكم بنتائجها المباشرة، أحياناً تخطئ في الهدف، لكنك تُصيب في التجربة. حين قررنا التوجه إلى واحة الأحساء، مساء يوم الثلاثاء، برفقة المهندس عادل البشراوي، المؤرخ والباحث في علم الإنسان القديم، كان الدافع واضحاً، محاضرة بعنوان لافت، تستحق أن يُشدّ لها الرحال. وكنت مخططاً للاستفادة من رحلتنا، أن أُحوّل مشوار الطريق إلى حوار، أو بشكل أعمق وأدق وأكثر صدقاً، الإجابة على بعض الإشكالات والاستفسارات التي طالما كانت عالقة في ذهني، والتي تحتاج إلى الكثير من البحث.
⁃ تاريخ وقهوة.
في الطريق، الذي امتد ساعتين ذهاباً، وساعتين إياباً، انفتح الحديث على سؤال عن الوجود! من الإنسان؟ كيف بدأ؟ وكيف تشكّلت رحلته عبر الزمن؟ وانتقلنا إلى تاريخ الجزيرة العربية، مروراً بحضارات بعيدة جداً تصل إلى ملايين السنين، نستحضر حضارات أمم وثقافات تعاقبت، وكيف بادت وانتهت، ونقف عند أمم تركت أثرها، وصولاً إلى الكلدانيين، والسومريين، وملوك مصر (يتحفظ على كلمة فراعنة)، والفينيقيين، والعثمانيين، والبرتغاليين، واللخميين، والساسانيين، والعيونيين، والقرامطة! وتحدثنا عن مصدر وأصل واختلاف اللهجات وتشابهها، ومن كثرة المعلومات التاريخية لم أستطع استيعاب وحفظ كثير منها، تعرفوا ليش؟ لأنني مستمتع بالمعلومة وتسلسلها.
⁃ حديث مختلف.
لم يكن الحديث سرداً تاريخياً، بل قراءة تحليلية بامتياز، دون تسليم، يقودها عقل باحث متمكن، يعرف كيف يربط بين سرديات الحدث وسياقه، وبين الإنسان ومكانه.
⁃ برج الملحم الدور 7.
وحين وصلنا إلى برج الملحم، الدور السابع، مضى على المحاضرة 45 د، وتبقى 15 د، كانت المفاجأة! دور واستقبال وقاعة مافي أحد، وصمت ليس له تفسير، ويش أخطأنا الدور؟! استقبلنا الأخ الشاب المهذب، الذي عرف بنفسه (عقيل)، بلطف يليق بالموقف، واعتذر موضحاً أن المحاضرة أُلغيت أو أُجّلت بسبب وعكة صحية للمحاضر! في تلك اللحظة، كان يمكن نحتج ونناقش ونزعل ونتذمر، ولكن أخذنا الموقف بروح رياضية، كما كنت دائماً أردد بعد حلول أي مشكلة: طيب وبعدين؟ هنا كادت الرحلة أن تُصنّف كـ«خطة لم تكتمل»، لكن ما حدث بعد ذلك كان درساً آخر.
⁃ جلسنا وروقنا.
جلسنا بهدوء في الاستقبال، نتناول القهوة، ونتبادل الحديث مع الأخ عقيل، الذي يحمل منصب مدير الاستقبال، ولم يكتفِ بالاعتذار، بل قدّم لنا صورة جميلة عن المكان، وأخذنا في جولة للتعريف بخدمات الموقع، وأقسامه، وأسعار الإيجار، وفكرته، وآلية العمل فيه، من المكاتب المفتوحة إلى الخاصة، وصولاً إلى المساحات المميزة. كان حديثاً عملياً بسيطاً، لكنه أضاف بُعداً آخر للتجربة، بُعد الإنسان الذي يُحسن الاستقبال، حتى في لحظات الاعتذار.
⁃ لا عشا ولا قهوة.
ثم عدنا أدراجنا، لكن العودة لم تكن تراجعاً. في الطريق إلى واحة القطيف، استمر الحوار، وكأن شيئاً لم ينقطع، بل ربما أصبح أكثر عمقاً. امتد الحديث إلى موضوعات متعددة، في الإنسان وتاريخه، في العمارة وآثارها ودلالة المكان وتحولاته، في القراءة والتحليل. وكان حضور المهندس عادل، بما يملكه من معرفة وتمكن من أدوات البحث، عاملاً حاسماً في إبقاء هذا التدفق المعرفي حياً ومستمراً. وهنا تتضح الفكرة:
لم تكن المحاضرة في القاعة، بل في الطريق،
ولم يكن الخطأ في الذهاب، بل في ظنّنا أن القيمة مرتبطة بمكان واحد.
⁃ بدون ترتيب.
لقد كانت تلك الساعات، بكل ما حملته من حوار ونقاش وتأمل، تجربة معرفية لا تتكرر، رغم “إلغاء” المحاضرة، بل لعلها كانت أصدق، لأنها جاءت بلا ترتيب، وبلا منصة، وبلا قيود. في النهاية، قد تخطئ في التأكد من موعد،
وقد تصل إلى قاعة فارغة،
لكن إن أحسنت اختيار الرفيق،
وأحسنت استثمار الوقت،
فلن تخرج خالي الوفاض!
فالطريق الذي يُثري عقلك،
لا يمكن أن يُسمّى خطأ.
————
عادل البشراوي
باحث في مجال علم الإنسان القديم، وهو مجال دراسة تطور علوم وظائف الأعضاء وتعلقها بالثقافة البشرية، وللحصول على فهم قوي لمجاله، وجد نفسه مضطراً لدراسة فروع أخرى من العلوم، مثل الأحياء التطوري، وعلم الفلك، وعلم المناخ القديم. وفي الآونة الأخيرة، أصبح عادل مهتماً بشبه الجزيرة العربية، لدورها الأساسي في كونها مكان تجمع للإنسان الأول أثناء خروجه تدريجياً من قارة أفريقيا، وبالتالي تطور وظهور الإنسان المعاصر.



