في لحظةٍ لا تتجاوز ثوانٍ، قد ترفع هاتفك لتوثّق مشهدًا عابرًا، دون أن تدرك أن هذه “اللقطة” قد تتحول إلى انتهاكٍ غير مقصود لخصوصية إنسان، أو إلى ذكرى مؤلمة لدى من يمرّ بلحظة حساسة.
لم يعد التصوير اليوم مجرد وسيلة لحفظ الذكريات، بل أصبح سلوكًا يوميًا يمارسه الكثير. ومع هذا الانتشار، تزداد الحاجة إلى التأمل في حدوده وآثاره الإنسانية، فبين ضغطة زر ونشرٍ سريع، قد تُمسّ خصوصيات أو تُنقل لحظات لا يفضّل أصحابها بنشرها .
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل كل ما تراه أعيننا، يحق لنا تصويره؟
وهل امتلاك الكاميرا يعني امتلاك الإذن؟
إن الإشكال لا يكمن في التصوير بحد ذاته، بل في تجاوزه لحدود الآخرين دون استئذان.
حين تتحول الكاميرا من أداة توثيق إلى وسيلة مفاجِئة، قد تلتقط أشخاصًا في مواقف لا يرغبون في الظهور فيها، سواء في المجالس أو المناسبات أو غيرها من السياقات الاجتماعية.
وفي خضم هذا الانتشار الواسع، تبرز الحاجة إلى وعيٍ أعمق يُعيد ضبط العلاقة بين الإنسان وعدسته. فالمسألة لم تعد تقنية بحتة، بل هي ممارسة يومية ذات بُعد أخلاقي، يُقاس فيها الوعي بمدى مراعاة خصوصيات الآخرين واحترام مساحاتهم الشخصية.
*ومن أكثر المواقف حساسية في هذا السياق، تصوير الجنائز ومشاهد الحزن*،
حيث تتحول لحظات فقد الأحبة أحيانًا إلى محتوى يُنشر، دون التفاتٍ كافٍ إلى طبيعة الموقف أو مشاعر ذوي المصاب بألم فقد عزيز عليه
أب .. أم .. إبن ….
فهل هذه لحظات يُناسب حفظها؟
أم أنها مشاعر تستحق أن تُصان في خصوصيتها؟
إن التعامل مع مثل هذه اللحظات يتطلب قدرًا عاليًا من الوعي، فليست كل اللحظات قابلة للتسجيل، ولا كل المشاهد مناسبة للنشر، خاصة تلك التي تمسّ إنسانية الإنسان في أوقات ضعفه.
إن امتلاك الكاميرا لا يعني بالضرورة امتلاك الحق، كما أن القدرة على النشر لا تعني دائمًا ملاءمته. فهناك مساحات تُقاس بالذوق والضمير والوعي، قبل أي اعتبار آخر.
وفي نهاية المطاف، تبقى القاعدة الأهم:
ليس كل ما يُرى يُصوَّر،
وليس كل ما يُصوَّر يُنشر،
وما بينهما… إنسانٌ له كرامة، ومشاعرٌ تستحق أن تُحترم



