25 , أبريل 2026

القطيف اليوم

اتحادُ اليدِ يعيدُ البوصلةَ

في عالم الرياضة، لا يُقاس النجاح بعدد البطولات فقط، بل بقدرة المنظومة على قراءة واقعها واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وهذا ما بدأ يظهر في عمل الاتحاد السعودي لكرة اليد مؤخرًا، مع ملامح مشروع يسعى لإعادة ترتيب المشهد وإعادة البوصلة إلى مسارها الصحيح.

تنبه الاتحاد مبكرًا، وبعد استلام زمام الأمور في أواخر عام 2024 برئاسة الأستاذ حسن نصر هلال، إلى أن التراجع لم يكن مجرد انخفاض عابر في النتائج، بل حالة أعمق تمثلت في عدة مؤشرات واضحة: سيطرة فريق واحد على البطولات لعدة مواسم، تراجع عدد الفرق القادرة على المنافسة الحقيقية، انخفاض الحضور الجماهيري حتى في مباريات البطل، وابتعاد المنتخب عن المستوى الذي يليق بتاريخ اللعبة. ورغم الجهود التي بذلها الاتحاد السابق، والتي تُذكر وتُشكر، إلا أن بعض التحديات، إلى جانب بعض الاجتهادات التي لم يُكتب لها الاستمرار، تراكمت حتى ظهرت آثارها بشكل أوضح في الفترة الأخيرة. هذه المؤشرات مجتمعة تعكس خللًا في منظومة المنافسة نفسها، لا في نتائجها فقط.

ففي جميع الألعاب، تبدأ قوة المنتخب من قوة المسابقات المحلية، وكلما كانت المنافسة أوسع وأكثر توازنًا، انعكس ذلك مباشرة على مستوى اللاعبين. لكن عندما تنحصر البطولات وتغيب المنافسة المتكافئة، يصبح التطور محدودًا مهما بلغت قوة الفريق المتصدر. وبالنظر إلى المواسم الأخيرة، نجد أن نادي الخليج فرض سيطرته المستحقة، وهو أمر يُحسب له ولإدارته التي واكبت المرحلة بوجود الإمكانات المالية والفكر الإداري الصحيح، إلا أن الإشكالية ليست في فوز فريق، بل في غياب المنافس الحقيقي، وهو ما يستدعي إعادة النظر في شكل المسابقة ككل.

من هنا جاءت خطوة الاتحاد بوضع استراتيجية تمتد لثلاث سنوات ((2029-2026 تستهدف معالجة جذور الخلل، لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه. وهي خطوة تعكس وعيًا بأن البناء الحقيقي يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، لا حلول آنية، حتى وإن كانت نتائجه غير مضمونة بالكامل.

وفي هذا الإطار، يأتي عمل الاتحاد منسجمًا مع التوجه العام للقطاع الرياضي في المملكة، الذي تقوده وزارة الرياضة ضمن رؤية طموحة تسعى إلى تطوير الألعاب وتعزيز التنافس والحضور الدولي. ومع ما تشهده المملكة من حضور متزايد واستعداد لاستضافة أحداث كبرى، يأتي في مقدمتها كأس العالم 2034، تتزايد أهمية هذه الاستراتيجيات التي تركز على بناء قاعدة مستدامة تواكب حجم الطموح، بغض النظر عن القبول أو الاعتراض في المدى القريب.

ولا تقف هذه الاستراتيجية عند حدود الرؤية العامة، بل جاءت مدفوعة بجملة من التحديات الواقعية التي فرضت نفسها على المشهد في الفترة الأخيرة ومن أبرزها تضخم عقود اللاعبين السعوديين بشكل لافت، دون التزام كامل من بعض الأندية بالوفاء بها، مما أدى إلى تصاعد الشكاوى والنزاعات. ولم تتوقف آثار ذلك عند حدود العلاقة التعاقدية، بل امتدت لتؤثر على الجوانب التنظيمية، حيث باتت بعض الأندية تواجه صعوبات في الحصول على شهادة الكفاءة المالية، التي تُعد اليوم من أهم متطلبات الحوكمة واستمرار المشاركة بشكل نظامي.

وفي السياق ذاته، جاء قرار تقليص عدد اللاعبين الأجانب إلى لاعب واحد لكل نادٍ كأحد المحاور الرئيسية في هذه المعالجة، وهو قرار لا يهدف فقط إلى إعادة التوازن المالي، بل يسعى كذلك إلى تعزيز حضور اللاعب المحلي داخل الملعب، ومنحه المساحة الكافية للتطور واكتساب الخبرة. وعلى المدى المتوسط، من المتوقع أن ينعكس ذلك بشكل إيجابي على مستوى المنافسة، وعلى جودة مخرجات اللعبة، وبشكل مباشر على مستوى المنتخب الوطني.

وفي خضم هذه التغييرات، يظهر جانب القبول والاعتراض كأحد أهم التحديات المصاحبة لأي مشروع إصلاحي. فالمسؤولية الكاملة تبقى على عاتق الاتحاد، وهو من سيتحمل نتائج هذه القرارات نجاحًا أو إخفاقًا. أما الجمهور، فمن حقه إبداء الرأي، لكن الإشكالية تكمن في التسرع بالحكم، وفي تحويل الاختلاف إلى هجوم غير مبرر قبل أن تتضح النتائج.

وهنا تبرز إشكالية في طريقة قراءة هذه القرارات، حيث تنظر بعض الجماهير إليها من زاوية مصلحة ناديها أولًا، متناسية أن تطوير اللعبة يُقاس بمستوى المنظومة لا بمكاسب فريق واحد، فتُبنى الاعتراضات على أثر القرار على نادٍ بعينه، لا على مستقبل المنافسة أو المنتخب.

ورغم أن هذه النظرة مفهومة بحكم الانتماء، إلا أنها قد تُعيق أي مشروع إصلاحي، إذ تدفع لمقاومة التغيير عند تعارضه مع مصلحة آنية، بينما يتطلب الإصلاح قرارات قد تكون صعبة في بدايتها، لكنها ضرورية لاستعادة التوازن.

وما يجب التأكيد عليه هنا، أن الجهات المسؤولة لم تأتِ لتطوير نادٍ أو ناديين، ولا لإعادة توزيع المكاسب بين الفرق، بل جاءت بهدف إعادة بناء المنظومة بشكل شامل، يحقق العدالة في المنافسة، ويخدم مستقبل اللعبة، ويعيد للمنتخب حضوره. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم هذه القرارات يجب أن يكون بميزان المصلحة العامة، لا من خلال حسابات ضيقة أو نتائج قصيرة المدى.

وفي المحصلة، ما يقوم به الاتحاد اليوم خطوة جادة لإعادة تشكيل واقع اللعبة بما ينسجم مع طموحات المرحلة. فالإصلاح لا يُقاس بسهولة الطريق، بل بجرأة القرار وقدرته على معالجة الخلل من جذوره.

لكن يبقى السؤال: ماذا لو لم يعمل الاتحاد على وضع هذه الاستراتيجية؟ هل سيكون وجوده لمجرد الوجود؟


error: المحتوي محمي