22 , أبريل 2026

القطيف اليوم

حراسة البيضة

في ظن كثير من الناس أن الطمأنينة شيء كبير لا يُرى إلا في القصور أو في الحسابات الممتلئة أو خلف الأبواب الموصدة بأجهزة حديثة. لكن الحقيقة أن الطمأنينة — رغم تعبها وكلفة الوصول إليها — قد تسكن أحيانًا في حضيرة صغيرة أقامها رجل بيديه مستأنسًا بها وجعلها مأوى لعدة دجاجات يعرف أصواتها أكثر مما يعرف بعض أصوات البشر.

أخي يملك قطعة أرض أشبه بمزرعة صغيرة فيها تعب ومتعة ومعاناة وسور فيه محاولات وحضيرة فيها أمل لحياة يرجو جمالها واستقرارها يراها بين عينيه يراعي الأرض بيديه الصغيرتين. كان يضيف دجاجة بعد أخرى فيطعمها ويراقب ماءها ويفرح ببيضها ويتعامل معها كما يتعامل أصحاب القلوب الحية مع كل كائن دخل في ذمتهم.

كان الأمر بسيطًا فقط بضع دجاجات وعلف وماء وشيء من السكينة والمتعة مع جهد ومتابعة.

لكن الدنيا لا تترك البسيط بسيطًا طويلًا ولا الحال على ما هو عليه.

في أول المعارك جاءت الكلاب. لم تأتِ بصفة “عدو” وإنما بصفة جائع لا يعرف الأنظمة. قطعت جزءًا من الشبك وصنعت فجوة في لحظة كأنها تقول "ما دام هناك رزق فسنبحث عن طريق". 

استفاق أخي على درس معروف "أن ما يبنى بمحبة قد يختبر في ليلة واحدة".

أعاد تثبيت الشبك وقوّى الأبواب وسد فتحات السور وتحرك في المزرعة كقائد يعرف أن الجنود عنده لا تلبس خوذًا بل ريشًا.

ومرت الأيام هادئة حتى ظن الجميع أن السلام قد عاد.

لكن بعض الحروب لا تعلن تبدّل وجوهها ولا تمنحك موعدًا لبدئها.

اختفت الكلاب وخفتت حركة القطط ثم ظهر خصم جديد لا يطرق الباب ولا يسمع له نباح ولا يترك رسالة تهديد إنها "الفئران".

في صباح اليوم التالي دخل أخي الحضيرة فشعر أن العدد ناقص. وهذه من غرائب من يعتاد الرعاية إذ يعرف الغياب قبل العد. بدأ ينظر ثم عدّ مرة أخرى ثم لمح ريشًا متناثرًا هنا وهناك كأنه بقايا سؤال مؤلم.

فتّش أكثر فإذا بجحر واضح في الأرض.

جاء بأداة الحفر "الصخين" وحفر متتبعًا أثر الجحر حتى وجد الدجاجة الصغيرة مسحوبة إلى الداخل وميتة في مكان لم يكن أحد يتوقع أن يتحول إلى باب موت.

وقف لحظة وقال تلك الكلمة التي يقولها الإنسان حين تصدمه بساطة الشر:
يا الله… يا الله شوف هالمصيبة!

سد الجحر وأعاد التحصين وربما شعر في داخله بشيء من النصر. فالإنسان يحب أن يصدّق أن المشكلة إذا ظهرت أمامه سهل علاجها.

لكن المشكلة التالية كانت أذكى.

في اليوم التالي دجاجة أخرى ناقصة.

لا جحر هذه المرة. 
لا ثغرة. 
لا أثر اقتحام. 
كل شيء يبدو مرتبًا… إلا الحقيقة.

ثم وجد بقايا الدجاجة مقطعة إلى أجزاء صغيرة والفئران تسحبها من فتحات الشبك العليا للحضيرة قطعةً قطعة وكأنها تقول للبشر "إذا أغلقت الطريق الكبير سنصنع ألف طريق صغير".

عندها فهم أخي درسًا لا يخص الدجاج وحده إذ أن بعض الأخطار لا تواجهك بالقوة لكن بالصبر والتكرار واستغلال أصغر الثغرات.

ذهب وجلب شبكًا حديديًا بفتحات دقيقة وغلف الحضيرة كلها حتى صارت كأنها صندوق حذر. ثم وقف يتأمل عمله لا فرحًا كاملًا ولا خوفًا كاملًا، وإنما ذلك الشعور الذي يعرفه كل مسؤول عن شيءٍ يحبه ويرعاه "شعور المراقبة المستمرة".

وهو الآن يمر كل يوم ينظر ويعدّ ويتأكد ثم يمضي.

هذه القصة ليست عن دجاجات فقط.

هي عن الأب الذي يحاول حماية بيته من ألف مؤثر.
وعن الأم التي تسد فجوات التربية قبل أن يدخل منها الخراب.
وعن الموظف الذي يحرس رزقه من مصروفات لا ترحم.
وعن الإنسان الذي كلما أغلق باب قلق وجد نافذة أخرى تحتاج انتباهًا.

في الحياة لا ينتهي التعب حين نؤمّن أول خطر لأن الأخطار تتبدل أشكالها. مرة تأتيك نباحًا ومرة تأتيك بهدوء من تحت الأرض ومرة تأتيك من فتحة صغيرة في الأعلى لم تنتبه لها.

ولهذا فليس أن تملك النعمة فقط فالنعمة الكبرى أن تنام آمنًا على ما تملك.

ولهذا أيضًا حين نسمع كلمة الأمن والأمان فنظنها عبارة عادية وقد لا نشعر بثقلها ومفعولها بينما هي في الحقيقة نعمة عظيمة لا يشعر بقيمتها إلا من عاش أيام الترقب وعدّ خسائره إما بصبر وإما بألم وأغلق الأبواب ثم بقي قلبه مفتوحًا على مترقبًا حذرًا.

أما أخي ساعده الله فما زال يراقب الحضيرة.

وأظن أن الحضيرة تراقبه أيضًا… وتتعلم من رجل لم تمنعه الفئران من الاستمرار.


error: المحتوي محمي