انتهت سنوات الدراسة في مدينة تولسا في ولاية أوكلاهوما في شهر مايو ١٩٨٤م. بعد أيام عدت إلى العمل في عدة مناطق تابعة لشركة أرامكو.
كان معنا شاب من المدينة المنورة مبتعث من جهة أخرى، غير شركة أرامكو. تعارفنا وكنا نلتقي كل نهاية أسبوع. ثمّ بعد أن افترقنا عام ١٩٨٤م، لم نلتق إلا يوم الأربعاء، الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٦م، في المدينة المنورة، .
لا تسأل لماذا وكيف لم نلتق فتلك قصة طويلة. كان لقاءً جميلًا. كبرنا وتغيرت أشياء كثرة في مظهرنا الخارجي. فتحنا نافذةً نظرنا منها إلى الزمن الماضي. تذكرنا الأيام الجميلة. ضحكنا وبكينا - أيضًا - لأن الزمان مثل صياد يحمل بندقية يطلق النارَ بعشوائية فيُميت أشخاصًا ويجرح آخرين.
عادت الذكريات. قلنا نفس النكات. ذكرنا نفس الأشخاص، وكأن شريط الذكريات توقف ثم عاد مرة أخرى. هذا الصديق في حداثته كان صاحب نكتة وخفة دم، لولا خوف إذاعة أسرار الصحبة لذكرتُ شيئًا من المواقف الطريفة!
لماذا تقص علينا خبر هذا اللقاء؟
لا شيء في جواب المسألة سوى ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "أحسن المروءة حفظ الود". التقينا شبانًا غرباء، تصادقنا ثم افترقنا اثنين وأربعين سنة كاملة، ثمّ التقينا مرة أخرى بسبب التقنيات الحديثة.
في إعادة العلاقات القديمة دواء:
دراسات كثيرة خلاصتها أن في إعادة الصداقات القديمة فوائد عديدة. يستطيع القارئ الكريم والقارئة الكريمة الاطلاع عليها من المواقع المختصة. قد تتطلب إعادة العلاقات بعض الجهد والتعب، لكن المكافآت تستحق العناء.
في عصرٍ يشعر فيه الكثير منا بالوحدة والانفصال، يبقى الأصحاب الجيدون يذكروننا بأن الصداقات، وإن أصابها عوارض الزمان، من البعد والهجران، أفضل ألف مرة من حياة دون أصدقاء أوفياء.
سَلامٌ عَلى الدُنيا إِذا لَم يَكُن بِها
صَديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوَعدِ مُنصِفا
لا تكتف بلقاءات من خلف الشاشة. لا تهمل العلاقات القديمة. العمر قصير جدًّا وفرص اللقاء قد لا تتكرر!
تذكر بعض كتب التفاسير عن جابر بن عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: "إن الرجل يقول في الجنة: ما فعل صديقي؟ وصديقه في الجحيم. فيقول الله: أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي في النار: { فما لنا من شافعين ولا صديق حميم }". شيء جميل جدًّا، فإذا علمنا أن الصديق له مكانة الشفاعة في الآخرة نختار الأصدقاءَ الجيدين المؤمنين.
يحسن بي في نهاية هذه الخاطرة أن أوجه رسالة مودة للزملاء القدامى الذين درسنا، أو عملنا معهم، ثم افترقنا.
وألذُّ من طيب الشرابِ على الظَّما.. لُقْيا الأحبّةِ بعد طولِ غيابِ



