تناول صالون المشرافي الثقافي بالدمام مساء الأربعاء موضوع «الإعلام وتشكيل القيم» ضمن لقاءات الموسم العاشر، في أمسية ثقافية أدارها فاضل عمران، واستضافت الكاتبة حليمة بن درويش، بحضور نخبة من المثقفين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي والمعرفي.
استعرض اللقاء التحول الذي شهده الإعلام من مجرد وسيلة لنقل الأخبار وعرض الأحداث إلى منظومة مؤثرة في تشكيل الانتباه وترتيب الأولويات وصناعة الوعي العام، بوصفه أحد أهم الفاعلين في إعادة صياغة التصورات الاجتماعية وبناء الاتجاهات الفكرية داخل المجتمع.
وناقش مفهوم القيم بوصفها معايير تحكم اختيارات الإنسان وتوجه سلوكه اليومي، لا مجرد عبارات نظرية أو شعارات لفظية، مع إبراز دور الثقافة في منح المعنى للسلوك الإنساني، ودور القيم الاجتماعية في تنظيم العلاقة داخل الأسرة والمجتمع وتحديد أنماط التفاعل بين أفراده.
وبيّن اللقاء حضور الإعلام المعاصر بوصفه شريكًا أساسيًا في التربية وصناعة الوعي الجمعي، إلى جانب الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية، من خلال إعادة ترتيب زاوية النظر إلى الأحداث وصياغة تصورات الأفراد عن أنفسهم ومحيطهم عبر التكرار والتراكم المعرفي.
واستعرض تطور نظريات التأثير الإعلامي، من التأثير القوي المباشر إلى التأثير المحدود عبر المؤسسات الاجتماعية، وصولًا إلى التأثير التراكمي الذي يعيد تشكيل الإدراك بصورة تدريجية، بما يجعل الإعلام عنصرًا فاعلًا في تفسير الواقع وإعادة بنائه داخل الوعي الجمعي.
وسلّط الضوء على آليات تحكم الإعلام في تشكيل الرؤية العامة عبر ترتيب الأولويات وانتقاء الرسائل، بما يؤثر في تحديد ما يُعرض وما يُغفل، وما يترتب على ذلك من إعادة تشكيل سلم الاهتمامات لدى الجمهور.
وتناول نظرية «الغرس الثقافي» بوصفها أحد أهم نماذج التأثير الإعلامي البطيء، حيث يؤدي التعرض المتكرر للمحتوى إلى ترسيخ أنماط معرفية وسلوكية تتحول مع الزمن إلى تصورات تبدو طبيعية لدى المتلقي رغم كونها نتاج تراكم إعلامي ممتد.
وناقش أثر الوسيلة الإعلامية في طبيعة الرسالة القيمية المنقولة، موضحًا أن القيم المركبة قد تتعرض للاختزال أو التشويه عند تقديمها عبر وسائط سريعة ومختصرة، الأمر الذي يستدعي إنتاج محتوى أكثر وعيًا ومسؤولية في بيئة الإعلام الرقمي المتسارع.
وقارن بين مفهوم النجاح التقليدي القائم على التراكم والاستمرارية والإنجاز طويل المدى، ومفهوم النجاح الرقمي المرتبط بسرعة الظهور والانتشار، مع إبراز الفارق بين القيمة الحقيقية للإنجاز والمؤشرات الشكلية المرتبطة بالحضور الإعلامي.
واختتم اللقاء بالتأكيد على أهمية بناء إعلام قيمي مسؤول يعزز ثقافة الحوار والتسامح والمواطنة، ويسهم في صناعة محتوى واعٍ يوازن بين التأثير والرسالة، ويرسخ إدراكًا نقديًا لدى الجمهور يمكنه من التمييز بين ما يراه وما يُراد له أن يراه في الفضاء الإعلامي المعاصر.






