20 , أبريل 2026

القطيف اليوم

العِلمُ مَدعاةٌ للتواضع لا للتكبّر

العلمُ في المنظور الإسلامي ليس مجرّد تراكم معلومات، ولا وسيلةً للتفوّق الاجتماعي أو التفاخر على الآخرين، بل هو نورٌ يُلقيه الله في قلب العبد ليقوده إلى معرفته، ويزيده خشيةً وخضوعًا، لا غرورًا واستعلاءً. وكلّما ازداد الإنسان علمًا ازداد إدراكًا بجهله، فكان أقرب إلى التواضع وأبعد عن الكِبر.

وقد قرّر القرآن الكريم هذا المعنى بوضوح حين قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ( فاطر:28)،فالخشية هنا ليست خوفًا سطحيًا، بل هي ثمرة معرفة عميقة بجلال الله وعظمته، وهذه المعرفة لا تُنتج إلا تواضعًا داخليًا وانكسارًا أمام الحق.

وفي موضع آخر يربط القرآن بين العلم والرفع الحقيقي للإنسان، لكنه رفعٌ معنوي لا يورث الكِبر:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:11)،

وهذه الدرجات لا تعني الاستعلاء على الخلق، بل الارتقاء في القرب من الله وخدمة الناس.

أما في سيرة النبي محمد ﷺ، فقد كان المثال الأعلى للعالم المتواضع، رغم أنه أعلم الخلق بالله. فقد ورد عنه ﷺ:
«مَن تَواضَعَ للهِ رَفَعَهُ الله»(2)، وفي هذا بيان أن التواضع ليس ضعفًا، بل هو طريق الرفعة الحقيقية.

وكان النبي ﷺ يجلس بين أصحابه كأحدهم، ويخصف نعله، ويجيب دعوة العبد والفقير، ليؤسس مبدأ أن العلم الحقيقي لا يفصل الإنسان عن الناس، بل يقربه منهم.

وأما أهل البيت عليهم السلام، فقد جسّدوا هذا المعنى في أرقى صوره. فقد روي عن الإمام علي عليه السلام:
«كِفَاكَ مِنَ العِلْمِ أَنْ تَخْشَى اللَّهَ، وَكِفَاكَ مِنَ الجَهْلِ أَنْ تُعْجَبَ بِعِلْمِكَ»(3)، فالعُجب بالعلم هو بداية الانحراف، لأنه يحوّل المعرفة إلى وسيلة تضخيم للذات بدل أن تكون وسيلة للهداية.

ويقول عليه السلام أيضًا:
«زِينَةُ العَالِمِ التَّوَاضُعُ»(4)،
أي أن قيمة العلم لا تكتمل إلا بأخلاق صاحبه، وعلى رأسها التواضع.

كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«العِلْمُ مَقْرُونٌ بِالعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَمَنْ عَمِلَ عَلِمَ»(5)،
وهذا يبيّن أن العلم الحقيقي لا ينفصل عن السلوك، ومن سلوكه التواضع لا التكبر.

ومن خلال هذا المنظور، يتضح أن التكبر بالعلم انحراف عن جوهره، لأن العلم في الإسلام يفتح باب المعرفة بالله، وكلما اتسعت معرفة الإنسان بالله، اتسعت رؤيته لضعفه واحتياجه، فيتلاشى الكبر تلقائيًا.

وقد كان علماء أهل البيت عليهم السلام من أكثر الناس تواضعًا، حتى رُوي عنهم أنهم كانوا يجلسون مع الفقراء، ويخدمون الناس، ويُعلّمون بلا تكلف، وكأن العلم عندهم عبادة لا امتيازًا اجتماعيًا.

إنّ أخطر ما يبتلى به صاحب العلم أن يتحول علمه إلى حجاب بينه وبين الحق، فيرى نفسه أعلى من الناس، بينما الحقيقة أن العلم إن لم يقُد إلى التواضع فهو علم ناقص أو غير مهذّب.

ولهذا، فإن الميزان الحقيقي للعلم في الإسلام ليس كثرة المعلومات، بل مقدار ما يصنعه من خشية وتواضع وإصلاح في النفس والمجتمع.

وفي النهاية، يبقى العلم الحقيقي هو الذي يُورث صاحبه انكسارًا أمام الله، ورحمةً بالخلق، وخدمةً للناس، لا غرورًا ولا تعاليًا.

المصادر: 

1. القرآن الكريم: سورة فاطر (28)، سورة المجادلة (11)
2. النبي محمد ﷺ: «من تواضع لله رفعه الله» – رواه مسلم في صحيحه (بمعناه المشهور في كتب الحديث)
3. الإمام علي عليه السلام: نهج البلاغة – حكم وكلمات قصار (في التواضع والعلم)
4. الإمام علي عليه السلام: «كفاك من العلم أن تخشى الله…» – غرر الحكم ودرر الكلم
5. الإمام الصادق عليه السلام: الكافي للكليني – كتاب العلم (أبواب العلم والعمل.


error: المحتوي محمي