19 , أبريل 2026

القطيف اليوم

مدح زائف… سخرية مقنّعة (١)

ورد عن أمير المؤمنين (ع): «مادِحك بما ليس فيك مُستهزِئ بك» (غرر الحكم، ج ١، ص ٤٤٢).

يبرز لنا أمير المؤمنين (ع) معيارًا أخلاقيًا مهمًا ودقيقًا، يبيّن من خلاله معنى وحقيقة المدح، وذلك من خلال الإشارة إلى خطورة الكلمة وتحمل المسؤولية عن كل ما يتفوّه به الإنسان، حيث تكمن الخطورة في تجاوز خطوط الإنصاف والصدق والاتجاه نحو تزييف الحقائق ونسبة الفضيلة أو إحدى خصالها لمن لا يتّصف بها، وهنا يختل معنى مفهوم المدح ويُلصق به ما يصفه الإمام (ع) بالاستهزاء، وهو المدح الكاذب. فالمدح في ظاهره إكرام الموصوف وإظهار السمات الإيجابية والجميلة عنده، لكنه مع افتقاره للحقيقة وبيع السراب والغَرْف من بحر الطيب والجود لمن ليس أهلًا له، فإنه نوع من الاستهزاء المستتر، حيث الظاهر لهذا الثناء والمدح الجميل هو الاستحسان، لكنه مغطى بإهانة مموّهة بثوب الثناء.

إن مسؤولية الكلمة لا تنفصل عن إتيان الأفعال والتصرفات العملية، فكلاهما يندرج تحت إطار تحمل مسؤولية ما يصدر عنا، فالألفاظ لها وجود ومساحة في تفكير الآخرين بما يظهر لها من مقاصد وآثار ونتائج في الاتجاه الإيجابي أو السلبي. والمدح يأتي ثماره ونتائجه الطيبة في بث روح التشجيع والدفع للأمام لمن أتى بخطوة أو فكرة أو سلوك حسن، ولكن المدح في غير محلّه وتلميع صورة البعض قد يكون أشد قبحًا من الذم الصريح؛ لأنه يرسم في مخيلة الآخر صورة غير واقعية تسبب خداعًا وتضليلًا، كما أنه يضع العلاقات الاجتماعية في مهبّ الريح بعد أن تضربها عاصفة التمويه والخداع وتضعضع الثقة بين الأفراد، فكيف يمكن الارتكان والجزم بمقولة معينة حول أحد الأشخاص في وسط تحيط به المجاملات المقيتة والتلوّن الاجتماعي والشهادات الزائفة بحق الغير؟!

لماذا يُعدّ المدح الزائف والثناء الجميل في غير محلّه استهزاءً وسخريةً بالطرف الممدوح؟

المدح الزائف ينطوي على مفارقة خطيرة في العلاقات الاجتماعية والقيم الأخلاقية، حيث يمنح الممدوح صورة غير واقعية عن نفسه ويبرز إطارًا لصورة لا تخصّه، وهو نوع من السخرية الخفية المطلية بلمعان كلامٍ معسول، والمادح يتعامل مع الممدوح وكأنه لا يدرك الحقيقة، فهذه استهانة بعقله واستخفاف بشخصيته بنسبة صفات لا وجود لها في الإطار التعريفي به وسيرته الذاتية. ولا يطير فرحًا بالمدح الزائف له إلا شخص معتوه أو يعاني من عقدة النقص، أو من يستهويه الثناء له والتصفيق الحار له في محيطه الاجتماعي، وكأنه يحسب بأن الصبغ بالألوان — مهما بلغت درجة جماله الباهر — قد يداري ما خلفه من جدارٍ متهرٍّ يبصره الناظر لأول وهلة. فهذا النوع من المدح يساهم في صناعة الوهم داخل نفس الإنسان، فيدفعه إلى الغرور والركون إلى صورة متخيّلة عن ذاته، وبدلًا من أن يسعى إلى تصحيح مساره وأخطائه وأوجه تقصيره ويسعى إلى الكمال الحقيقي، يدفن كل تلك المساوئ والنقائص في رمال الغفلة والنسيان، وينتشي زهواً بسراب القوة والمهارة والاقتدار، فيتحوّل المدح من وسيلة بناء إلى أداة هدم تسقطه في رضا النفس السلبي، ومن دافعٍ للإصلاح والمراجعة الذاتية إلى سببٍ للانحراف والسقوط في الهاوية.


error: المحتوي محمي