17 , أبريل 2026

القطيف اليوم

الحُقوقُ الماليةُ لا تُؤجَّل

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤدُّوا الأَماناتِ إِلىٰ أَهلِها﴾ - النساء (58) وفي الحديث: "أعطُوا الأجيرَ أجرَه قبلَ أن يَجِفَّ عَرَقُه" "حقُّ الرجال ما يبات" آيات كريمة وأحاديث شريفة وأقوال شعبية، نُردِّدها كثيرًا، ونستحضرها حين نطالب بحقوقنا، ونستشهد بها إذا تأخَّر علينا أحد، لكنها تختفي أو تبهت عندما نكون نحن الطرف الآخر.

أبشر، تم، أفا عليك، ولا يهمك، أراجعها وأردّ عليك، إن شاء الله قريب، خلّها بكرة، أعطيك خبر، خلّني أشيك وأرجع لك، أدخلها بالنظام، عند المحاسب الآن، في الاعتماد، بقي توقيع فقط، ننتظر الموافقة، تحت الإجراء

عبارات سهلة، خفيفة، سريعة، لكنها في كثير من الأحيان ليست وعدًا، بل تأجيل مؤجَّل، أو تهدئة مؤقتة، أو ربما أسلوب لتفادي المواجهة. ومع تكرارها تتحوَّل من كلمات طيبة إلى وسيلة لتضييع الوقت، وتأخير الحقوق، وإضعاف الثقة، حتى أصبحت لغة مشتركة للتأجيل، نُتقنها جميعًا، ونتضرر منها في الوقت نفسه. المشكلة ليست في العبارات، بل فيما خلفها.

فحين يكون لصديقك مال عندك، فأنت لا تحتفظ بمبلغ فقط، بل بثقته أيضًا، وكل تأخير دون عذر هو استنزاف لها، حتى لو بقيت العلاقة في ظاهرها كما هي.

وحين يعمل لديك عامل، ويُنجز ما عليه، ويؤدّي عمله كما طُلب منه، ثم يجد نفسه ينتظر أجره، فالسؤال ليس: متى تدفع؟ بل: لماذا تؤخِّرُ الدفع؟

وقد جاء التوجيه النبوي واضحًا لا يحتمل التأويل: "أعطُوا الأجيرَ أجرَه قبلَ أن يَجِفَّ عَرَقُه"، وهو تعبير بالغ في الدقة، يربط بين انتهاء العمل واستحقاق الأجر مباشرة، وكأن التأخير بعد ذلك ليس إلا ظلمًا مغطى بإجراءات أو أعذار.

وفي عالم التجارة، تتكرّر الصورة بشكل آخر؛ تاجر يسلّم بضاعته، أو جهة تقدّم خدمة، ويكون الطرف الآخر قد استفاد منها فورًا، وبدأ في تحقيق المنفعة، ثم تبدأ بعد ذلك رحلة المراجعات، والاعتمادات، والتواقيع، والانتظار. وهنا يظهر التناقض بوضوح: الاستفادة كانت عاجلة، أما السداد فمؤجَّل بلا مبرر حقيقي.

الإسلام حين أمر بأداء الأمانات، لم يكتفِ بذكر الفعل، بل جاء بصيغة توحي بالمسارعة والانضباط، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤدُّوا الأَماناتِ إِلىٰ أَهلِها﴾، أي أن الحق يُعاد إلى صاحبه كاملًا، وفي وقته، دون انتقاص أو مماطلة.

وجاء في موضع آخر ما يعزّز هذا المعنى حين ربط إعطاء الحق بزمنه، فقال تعالى: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَومَ حَصادِهِ﴾ (الأنعام: 141)، في إشارة إلى أن تأخير الحق بعد تحقق سببه ليس من العدل، بل خروج عن طبيعته.

ولذلك، لم يكن الموروث الشعبي بعيدًا عن هذا الفهم، حين اختصر المعنى كله في عبارة بسيطة: "حق الرجال ما يبات".

عبارة تختصر التجربة، وتختصر الخطأ، وتختصر النتيجة أيضًا؛ فالحق إذا بات بدأ يفقد وضوحه، وتسللت معه الشكوك.

المشكلة الحقيقية ليست في عدم القدرة على السداد دائمًا، فهذه قد تكون مبررة ومفهومة، بل في غياب الصراحة، والتسويف، وتكرار الوعود التي لا تُنفذ.

فالناس تتفهم العذر، لكنها لا تتقبل المماطلة، وتتقبل التأخير إذا كان واضحًا ومحددًا، لكنها تنفر من الغموض والتأجيل المفتوح.

ومع مرور الوقت، لا تكون الخسارة مالية فقط، بل أخلاقية أيضًا؛ تفقد مصداقيتك، ويصبح اسمك مرتبطًا بالتأخير، وتتحول من شخص يُوثق به، إلى شخص يُتحفّظ في التعامل معه.

لذلك، فالمسألة أبسط مما نتصور؛ تحتاج إلى وضوح والتزام أكثر من أي تبرير، فمن كان عليه حق فليبادر بأدائه، وإن تعذّر فليكن صريحًا ولا يترك غيره في الانتظار، وإذا وعد فليوفِ، لأن الوعد في الحقوق التزام تُبنى عليه الثقة وتُقاس به المصداقية.

وحتى في أبواب الخير التي نظن أنها أوسع وألين، يبقى الوقت جزءًا من الحق لا يقل أهمية عن أصل العمل.

فمن يبني مسجدًا، أو يساهم في مشروع خيري، أو يخرج صدقة، لا يُعفى بذلك من ترتيب الأولويات؛ لأن هذه أعمال عظيمة، لكنها لا تُقدَّم على حقوق واجبة ثابتة في ذمته.

وكذلك العبادات المرتبطة بزمنها، كزكاة الفطرة، لا تُؤدّى متى شئنا؛ فللوقت حق كما للمبلغ، وتأخيرها يُفقدها جزءًا من معناها.

فالحقوق لا تُقاس بحجمها فقط، بل بموضعها وزمنها، ويُقدَّم الواجب على المستحب، ومن أحسن ترتيب أولوياته لم يظلم أحدًا، وليست العبرة بكثرة ما نفعل، بل كيف ومتى نفعل؛ فالعدل لا يكتمل إلا بأداء الحقوق كاملة وفي وقتها.


error: المحتوي محمي