كان للصباح وجهٌ آخر حين كانت الصحف والمجلات تُفتح قبل الأبواب، وتفوح منها رائحة الحبر كأنها حكايات دافئة تولد مع الضوء. كنا نقرأها ببطء، ونغيب بين سطورها كأن الزمن يتسع لنا ولا يضيق. واليوم تمضي الأخبار عابرة على الشاشات بلا أثر، كأنها لم تمر، ويبقى الحنين لذلك الزمن هادئًا في القلب كذكرى لا تغادر الروح.
رغم كل التحولات الرقمية المتسارعة، ما زالت الصحف الورقية تُطبع وتباع وتتكدس فوق الأرصفة وفي المكتبات، بينما تفتح نوافذ الإنترنت يوميًا على مئات الصحف الإلكترونية المتنوعة، وبعضها لم يكن معروفًا من قبل. ولوفرة الخيارات وسهولة الوصول أصبح كل ذلك مجانيًا. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ما زال أحد يقرأ الصحف الورقية؟! أم أن زخم الواقع الجديد قد سحب البساط من تحتها؟!
كانت القراءة اليومية للصحف عادة مترسخة، وخصوصًا في أوقات الفراغ الواسعة، ولم يكن الهدف الاطلاع على العناوين الرئيسية، بل كان الشغف يكمن في التفاصيل وفيما بين السطور. ومع تغير الإيقاع اليومي وتزايد المسؤوليات، لم تعد تلك الصحف تجد طريقها إلى اليد كما كانت في السابق، فقد جاءت التطبيقات الرقمية كبديل، ثم ما لبثت أن فقدت شيئًا من بريقها أيضًا، إذ أصبحت مجرد مرآة لسياسات ملاكها، فلا تنقل الخبر كما هو، بل كما يُراد له أن يكون.
في هذا الزحام الكبير، لم يعد الخبر يُؤخذ كما هو، بل يُقارن ويُحلل ويُبحث عنه في أكثر من مصدر، في محاولة مضنية للوصول إلى ما يشبه الحقيقة. وقد تراجع الاهتمام بالصحف بنسبة كبيرة، إذ برزت مجموعات التواصل الاجتماعي التي تنقل الأخبار من مصادر متعددة، وتعيد نشرها في قوالب جاهزة دون تدقيق أو تحقيق.
أما المجلات، فكان لها زمنها الذهبي؛ كنا ننتظرها بشغف وحب، نقتنيها ونحافظ عليها. فقد كنا نقرأ فيها القصص والمقالات الثرية والقصائد المتنوعة، كمجلة العربي الكويتية، ومجلة الأشبال، ومجلة ماجد، وغيرها الكثير. أجل، شكلت ذاكرة ثقافية لجيل بأكمله، لكنها اليوم لم تعد متوفرة كما كانت، أو لم تعد تحظى بنفس الاهتمام، سواء لأسباب تتعلق بالتوزيع أو بتغير الذائقة العامة.
ومع مرور الوقت، لم تعد هناك مجلات تُشترى ولا صحف تُقتنى، بل أصبح الاطلاع على الأخبار يقتصر على ما يُنشر عبر المواقع والقنوات الإخبارية، مباشرة وبشكل متواصل. فقد بات الخبر يرافق لحظته، ويُنقل بالصوت والصورة، ويُحدث لحظة بلحظة، فلم تعد هناك حاجة لقراءة ما كُتب صباحًا بعد أن تغير الواقع مع الظهيرة.
ولا أقول إنها قد اندثرت وطُويت، لا؛ فما تزال المقالات الفكرية تحتفظ بجاذبيتها، سواء نُشرت ورقيًا أو إلكترونيًا، لأنها تعالج الفكرة لا اللحظة، وتحمل رؤية لا مجرد نقل للمعلومة. ولكن متى كانت آخر مرة تم فيها شراء صحيفة؟! بالنسبة للكثيرين قد يعود ذلك إلى أكثر من عقد من الزمان. الصحافة الورقية ما زالت موجودة، وما زال لها متابعوها في أنحاء العالم، وبعضهم يحتفظ بأعدادها القديمة في خزائن خاصة، ويعود إليها بين حين وآخر، إما للذكرى أو لما تحمله من أخبار تخصهم وتهمهم. نعم، تُطبع الصحف وتُنشر الإعلانات والوظائف، وتظل بعض الدول تعتمد عليها كمصدر رسمي للمعلومة، فالجريدة الرسمية – على سبيل المثال – لا تزال المصدر المعتمد لقرارات الدولة، بخلاف المواقع الإلكترونية التي تفتقر أحيانًا للصفة الرسمية.
وبينما تحيا بعض المجتمعات بأبسط الوسائل التعليمية، وتُكتب الدروس على سبورة خشبية بطباشير بيضاء، تمضي دول أخرى في سباق مع التحول الرقمي. ومع ذلك يظل الحنين قائمًا؛ فلا شيء يضاهي ملمس الورق، أو رائحة الحبر، أو متعة تقليب الصفحات. حتى في الدين، لم يُعامل المصحف الإلكتروني كالمصحف الورقي، فالقراءة من شاشة الهاتف ليست كالتلاوة من مصحف بين اليدين.
قد تكون الصحافة الورقية فقدت سحرها وبريقها، وقد تكون القراءة الورقية عمومًا لم تعد كما كانت، لكن لا يمكن إنكار أنها تحمل بعدًا إنسانيًا مختلفًا يتجاوز اللحظة إلى التجربة. أما المستقبل فقد صار بيد الصحافة الرقمية، ولكن الورق – في صمته وعمقه – سيبقى دائمًا له مكان في الذاكرة، وربما على الأرفف، يصاحبنا في جلوسنا معه.



