17 , أبريل 2026

القطيف اليوم

من ظَلَم… ومن ظُلِم

هذا المقال ليس امتدادًا لسلسلة،
ولا جزءًا من سرد سابق،
ولا حلقة من حلقات متتابعة.
هذا المقال يقف وحده…
كما يقف المظلوم وحده.
مقالٌ كُتب ليكون شاهدًا مستقلًا،
لا تابعًا،
ولا مكمّلًا،
ولا مكررًا.
مقالٌ يبدأ من الصفر…
لكن يحمل في داخله كل ما لم يُقَل،
وكل ما لم يُكتب،
وكل ما مرّ على الناس بصمت…
بين من ظَلَم… ومن ظُلِم.

في كل مجتمع، في كل عائلة، في كل زاوية من هذا العالم…
هناك قصتان تمشيان جنبًا إلى جنب:
قصة من ظَلَم… وقصة من ظُلِم.
قصتان لا يفصل بينهما جدار… بل حركة واحدة.
فتحة على الظاء… أو ضمّة فوقها.
حركة صغيرة… لكنها تكشف عالمًا كاملًا.
فالظلم لا يبدأ بسكين، ولا ينتهي بمحكمة.
الظلم يبدأ بحركة…
بحرف…
بقرار…
بيد تمتد إلى ما ليس لها،
وبعين تغضّ الطرف عن حقٍّ تعرفه جيدًا.

والأقسى؟
أن الظلم لا يغيّر المظلوم فقط…
بل يغيّر نمط حياته،
يغيّر مصاريفه،
يغيّر بيته،
يغيّر يومه،
يغيّر تفاصيله الصغيرة التي لم يكن يظن يومًا أنها ستتأثر.
يقلّل طلعاته،
يحسب خطواته،
يقتطع من راحته،
ويعيش على جزء من رزقه…
بينما غيره يعيش على ما ليس له.
ومع ذلك…
يبقى المظلوم واقفًا.

واقفًا رغم كل شيء.
واقفًا لأنه يعرف أن الله لا يترك حقًا يضيع.
﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
هذه الآية وحدها تكفي لتقول إن الحساب ليس عليك… بل عليهم.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾
وما دام الله بالمرصاد… فلا يهم كم طال الطريق.
فالظالم لا يظلم لأنه قوي…
بل لأنه ضعيف النفس.
كما قال أمير المؤمنين أبو المظلومين والأيتام (عليه السلام):
« الظلمُ من شِيَمِ النفوسِ، فإن تَجِدْ ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا لِعَدْلٍ »
والظلم الحقيقي…
ليس ما يُقال علنًا،
بل ما يُخفى في الصدور.
كما قال (عليه السلام):
« ما ظَلَمَكَ مَن أَظهَرَ ظُلمَه، إنما ظَلَمَكَ مَن سَتَرَه »
فالظالم يختبئ…
يهرب…
يتجنب اللقاء…
يتجنب التجمع…
يتجنب المواجهة…
لأنه يعرف الحقيقة.
يعرف أنه أخذ ما ليس له.
يعرف أن الحرام يغيّر النفس…
ويطفئ البركة…
ويُسقط الهيبة…
ويفضح صاحبه ولو بعد حين.

أما المظلوم؟
فهو الذي يعيش رغم الحرام…
لا عليه.
يعيش بمال حلال،
بصدر نظيف،
وبقلب يعرف أن الله لا يخذل من لجأ إليه.
والمفارقة أن المظلوم يُنقص من نفسه ليحفظ حقه،
بينما الظالم يزيد من ظلمه ليحفظ ما ليس له…
كأن العمر مُلكٌ بين يديه.

المظلوم قد يتألم…
قد يضيق…
قد يختنق…
لكن لا يسقط.
لأن السقوط عادة الظالم…
لا المظلوم.

وفي آخر السطر…
تبقى الحقيقة كما هي:
أن كل الحكاية كانت حركة.
فتحة واحدة…
صنعت ظالِمًا فتح على نفسه بابًا لا يُغلق.
وضمّة واحدة…
صنعت مظلومًا ضمّ جراحه…
ووقف شامخًا مثل النخلة،
لا تهزّه ريح،
ولا يكسره ظلم،
ولا تُطفئه قسوة الأيام.

وبين الفتحة والضمّة…
تسقط الأقنعة،
وتنكشف النفوس،
ويُعرف من عاش بالحلال،
ومن عاش على الحرام،
ومن وقف رغم الألم،
ومن سقط رغم ما جمع.

وهكذا…
تعود القصة إلى العنوان من جديد:
من ظَلَم… ومن ظُلِم.
حركتان فقط…
لكن بينهما
تُكتب حياة،
وتُكشف حقيقة،
ويُرفع مظلوم،
ويُهزم ظالم…
ولو بعد حين.


error: المحتوي محمي