17 , أبريل 2026

القطيف اليوم

مع الذكاء الاصطناعي أصبح الجدال صعبا

لم يعد الكذب سهلَ النجاة كما كان في زمنٍ مضى، ولم تعد المبالغة في الرأي تمرّ مرور الكرام، ولم يعد الخطأ في نقل المعلومة يستتر طويلًا خلف قوة الصوت أو سرعة الجواب. نحن نعيش اليوم في زمنٍ مختلف؛ زمنٍ تقف فيه الحقيقة على بُعد لمسة، وتجلس فيه المعلومة الصحيحة في جيب كل إنسان، يراجعها متى شاء، ويكشف بها الوهم متى أراد. ولهذا، فإن من الحكمة في عصر الإنترنت ألّا يندفع الإنسان في كل نقاش، وألّا يتكئ على ذاكرةٍ مضطربة، وألّا يبالغ في إظهار المعرفة وهو لم يُحكمها قراءةً ولا فهمًا.

لقد تغيّرت المجالس، أو ينبغي لها أن تتغيّر. لم تعد القيمة الحقيقية في الجدال، ولا في ارتفاع النبرة، ولا في محاولة الانتصار على الآخرين بأي طريقة، بل في جودة الفكرة، وصحة المعلومة، وحسن العرض، ورقيّ النقاش. فالمجلس الناضج ليس الذي يخرج منه الناس وقد غلب بعضهم بعضًا، بل الذي يخرجون منه وقد ازدادوا فهمًا، واتسعت آفاقهم، واقتربوا من الحقيقة أكثر.

ولذلك، فإن التثاقف المتكلّف لم يعد له بريقٌ محترم، والتفاخر بالمعلومات على الناس لم يعد دليلًا على العمق، بل قد يكون بابًا إلى سقوط الهيبة عند أول مراجعة أو تحقق. أما الثقافة الحقيقية، فهي أن تقرأ كثيرًا، وتفهم قبل أن تتكلم، وتزن قبل أن تحكم، ثم تطرح ما عندك بهدوء الواثق لا بضجيج المتفاخر. المثقف الحق لا يزاحم الناس على المنابر، ولا يستعرض محفوظاته استعراضًا، بل يقدّم المعلومة الصحيحة ببساطة، ويقرّب الفكرة بمنطق، ويربط بين الموضوعات بذكاء، فيكشف للسامع ما وراء العناوين، لا ما على سطحها فقط.

فليس التميّز في النقاش أن تحفظ أكثر، بل أن تفهم أعمق. وليس الذكاء أن تُكثر الكلام، بل أن تصيب موضعه. والفرق كبير بين من يردّد ما سمعه، ومن يحلّل ما قرأه، ويربط بين الأسباب والنتائج، وبين الماضي والحاضر، وبين الفكرة وأثرها في الواقع. ذاك هو الذي يضيف إلى المجلس قيمة، ويمنحه معنى، ويترك في النفوس أثرًا.

وحين تكثر في مجالسنا هذه النماذج الهادئة العميقة، التي تتحدث بعلم، وتنصت بأدب، وتناقش بمنطق، فإن مجالسنا ترتقي من كونها مجالس أحاديث عابرة إلى ما يشبه مجالس الخبراء؛ لا لأن أصحابها يحملون الألقاب، بل لأنهم يحملون عقلًا منظمًا، وخلقًا راقيًا، ومعرفةً صادقة. وعندها فقط، يصبح المجلس مدرسةً صغيرة، ويصبح الحوار لونًا من ألوان البناء، لا ساحةً من ساحات الاستعراض.


error: المحتوي محمي