14 , أبريل 2026

القطيف اليوم

على ضفاف الحنين... موعد لا يُخطئه العاشقون

تعلّقت مريم بيد حفيدها، تحاول عبور عتبة المطعم العتيقة؛ تلك التي اعتادت أن تخطو فوقها يوم كانت في ربيع العمر. توقّفت لحظة، وألقت نحوها نظرة حانية، كأنها تُحيّي صديقًا قديمًا، في حوارٍ خفيّ لا يفهم لغته إلّا أبناء جيلها.

اختارت طاولةً بمحاذاة نافذة تطلّ على بحيرةٍ صناعية. وضعت كفّيها المثقلتين بتجاعيد السنين فوق الطاولة، وأخذت تحرّك أصابعها بخفّة، كأنها تعزف على بيانو غائب. ثم همست بصوتٍ لا يسمعه سوى قلبها، تغنّي لإحدى أغنيات طلال مداح. أغمضت عينيها، وانسابت دموعها بهدوء على وجنتيها، قبل أن تفتحهما، وعلى شفتيها ابتسامة وادعة، تستعدّ بها لسرد حكايتها لحفيدها المتلهّف.

ما إن بدأت الحديث، حتى عادت بها الذاكرة إلى خمسة وأربعين عامًا مضت. إلى قاعة المدرسة، حيث كانت تتعلّم العزف تحت إشراف أستاذها راضي. لم يكن الرجل يبالي بأحاديث الناس، ولا بفارق العمر الذي يفصل بينه وبين تلميذته بخمسة عشر عامًا. كان يرى أن الحبّ، إذا صَدَق، لا تعوقه حسابات.

ومع إصراره، مضى نحو حلمه. تقدّم لخطبتها من والدها، المحامي، في ليلة المهرجان السنوي للمدينة، داخل القاعة الكبرى للجمعية. هناك، عزفت مريم مقطوعة من تأليفه، فاهتزّ لها الحضور. ظنّ أنّ الطريق قد انفتح، وأنّ القبول آتٍ لا محالة، خاصة بعد أن بدأ نجمه يلمع في فرقة الإذاعة والتلفزيون. لكنّ والدها استقبله بصرامة، ووبّخه وطرده من الحفل. غير أنّ الإصرار كان أقوى؛ فلم يلبث الأب أن لان ووافق على زواجهما.

تنفّست مريم بعمق، وقالت: لم يكن جدّك يجيد الغناء، لكنه كان يغنّي حين تلامس أصابعي مفاتيح البيانو. لم يعشق الفنّ لذاته، بل سعى إليه طلبًا للرزق، لكنّ حبّه لي جعله يرى الموسيقى بعينيه، لا يسمعها فقط.

سكتت لحظة، ثم تابعت بصوتٍ خافت: أعرف أنّ مبنى الجمعية زال، وحلّت مكانه مكاتب صمّاء، لكنني أحنّ للعودة إليه... لعلّي أستنشق عبق ذلك الحب الذي كان يمنحني معنى وجودي.

وأشارت إلى زاويةٍ قرب البحيرة قائلة: هناك، كان كلّ شيءٍ ينبض بالحياة. كنّا نجلس معًا، يمسك بيدي، يقبّلها أحيانًا ويغمرها بشذا أنفاسه أحيانًا أخرى، بينما يظنّ الناس أنه والدي.

ارتعش صوتها فجأة، وقالت بعينين دامعتين: هنا جاء بي بعد أسبوع من حملي الأول... أتصدق؟ أشعر كأنه ما زال أمامي، يمسك قائمة الطعام، يقرؤها بصوته الهادئ. بل إني لا أزال أشمّ عطره، وأرى نقاء قلبه.

ثم التفتت إلى حفيدها وقالت: يا بني، إنّ الحنين يؤلمني كما يُبهجني. يبهجني لأنني عرفت معنى الحياة، فقد منحني الحب لحظاتٍ حُرم منها كثيرون. ويؤلمني لأنّ تلك اللحظات لن تعود... فالناس تغيّروا، والأماكن تبدّلت، وحتى إيقاع الأغاني لم يعد كما كان.

ابتسَمت فجأة وأضافت: أريد أن آكل معكرونة بالجبن... كانت وجبته المفضلة.

قال زيد مبتسمًا: جميل يا جدّتي، لكنّك لم تجيبي بعد: لماذا جئتِ إلى هنا الليلة تحديدًا؟

نظرت إليه نظرةً عميقة، ثم أشارت بعينيها خلفه. استدار، فلم يرَ سوى رجلٍ مسنّ، ضخم الجسد، تتكئ هيبته على عصاه. كان يضع ساقًا فوق أخرى، يرتدي بدلة سوداء وقبعة كلاسيكية، تعلو وجهه ابتسامة دافئة، وعيناه معلّقتان بمريم... بنظرةٍ لا يخطئها العاشقون.


error: المحتوي محمي