قال تعالى : ( إنّا كل شيء خلقناهُ بقدَر ) ،
وقال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) .
وعليه : كل خلق الله بتفاصيلهم الدقيقة - المحسوسة وغير المحسوسة - من كائنات حية ، أو طبيعة ، أو عوالم أخرى لا تخضع قوانينها لقوانين عالم الدنيا ؛ مخلوقة بمنتهى الدقة والكمال والإبداع ، فما أجمل خلق الله وما أدقه وأبدعه !! ، ولهذا كان التقليل من حسابات السماء أو الزيادة فيها ، فضلا عن الاعتراض أو الندّية هو من أعلى درجات اللعب بالنار ، وتبعاتها الخطرة بلا حساب . هل هناك مقارنة أو مقاربة أو تشابه بين قدرات الله سبحانه وإبداعاته وبين عباده مهما بلغوا ؟! ؛ بالتأكيد لا .
إن الشمس الكونية لو تحركت للأمام قليلاً - عن مكانها السماوي - لأحرقت الكرة الأرضية ، ولو تراجعت لأحالتها لظلام دامس وبردٍ قارس ، وهكذا شأن بقية الكواكب والمخلوقات .
إن ما ينطبق على الشمس ينطبق على أعضاء الإنسان ، وأجهزته ، وأحاسيسه ، ومشاعره تماما تماما .
من هنا أحببت أن أبين أمراً هاماً للغاية يتعلق باستيعاب سلوك الآخرين كما هو ، بعيدا عن سوء الفهم ، أو سوء التشخيص ، أو سوء الظن .
ينقسم الناس في أحاسيسهم الطبيعية إلى ثلاثة أقسام :
الأول : مفرط الحساسية :
يضع لسلوك الآخرين وكلماتهم دلالات بعيدة عن الحقيقة وتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان ؛ فيظلمهم ويظلم نفسه . يتعامل مفرطُ الحساسية مع دلالات تفكيره الوهمية الخيالية على أنها حقائق مسلّمة ، ثم يبني على الوهم أحكاما وقرارات خاطئة وضارة قد تودي بحياته وحياة الآخرين . وبمعنى توضيحي آخر : الشكّاكون مثلا يسيؤون الظن بكل أحد حتى لو كانت كل المعطيات والتجارب الحقّة والتاريخ بخلاف ذلك ، فالمهم لديهم تسيير قناعاتهم وفرضها كحقائق ولو كانت من السراب .
قد يكون للبيئة والجينات ( الوراثة ) سبب في ذلك ، وقد يكون لتجارب الطفولة الاجتماعية أو الأسرية ، وقد يكون للسلوك الشخصي الذي مارسه أثر يعتد به ، أو الشعور بالنقص ، أو الحقد والحسد والانتقام .
هذا القسم من الناس يتجنبه الأقربون ، ويحذره الأبعدون ، وكأنه صاعق كهربائي أينما حل .
الثاني : معتدل الحساسية :
يتعامل مع الواقع كما هو ، ويعطي السلوكيات والكلمات أبعادها الحقيقية بعيدا عن المبالغات والمغامرات والظنون والانطباعات . هذا النوع من الناس يعيش في سلام نفسي واطمئنان عادة . إن هذه السلمية تقود إلى مستوى عالٍ من الوعي والحكمة والنضج ، وتجعل من أصحابها محل تكريم وتقدير واحترام بين أهاليهم وفي مجتمعاتهم .
الطهارة والسلميّة - في هذا النوع من الناس - تنقل عدوى إيجابية جميلة للمحيطين بهم تظهر على حياتهم وسلوكياتهم وكأنهم طاقات متنقلة للسعادة أينما حلّت يحل الخير والبركة .
الثالث : متبلّد الحس :
وهو الشخص الذي لا يتأثر بما حوله ولا بمن حوله - وكأنه جدار في غرفة لا يشعر ببرودتها ولا بدفئها ولا بجمالها ولا بقبحها - فلا يشعر بالحب ولا بالسعادة ولا بالعطاء ولا بالجمال . يعيش في الحياة بلا طموح ، ولا أمانٍ، ولا آمال ، وكأنّه آلة تسير ولا تدري متى تتوقف ؟ ، ولا لماذا ؟ ، ولا أين ؟! . شخصياتهم مظلومة ومضطهدة ومسلوبة ، يعيشون حياتهم على المسايرة والموافقة والقبول فقط ، وكأنهم حكومة تصريف أعمال مجبرة على تنفيذ القرارات والأوامر . لا يستطيع هؤلا غالبا التمييز بين الحسن والرديء لأنهم أفقدوهم ثقتهم بأنفسهم وحرموهم الموازين مع متع الحياة .
يجب على هؤلاء المظلومين - من ضحايا الزمن - الابتعاد عن مصادر الألم وانطفاء الروح ليعيدوا لأنفسهم فطرة الله الجميلة ( إنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) مهما كانت التحديات . صحيح أن القرارات المفصلية بعد انطفاء الروح وانعدام الثقة تحتاج إلى قدرات قوية ، وملكات ، وثقة نسبية ، ودعم ، وبيئة متفهمة غير أن الله لا يتخلى عن عباده فكيف بالمظلومين منهم .
إن بقيت مصادر قتل الإحساس موجودة وبقيت تمارس أدوارها فحتما ستقتل من حولها ، ولهذا ينبغي على متبلّدي الإحساس التأمّل جيدا في ذلك ثم إحداث ثورة يقظة داخلية ، ثم تخطيط منظم ، ثم قرارات وخطوات ثابتة للتحرر من العبودية ، وإلا فهم ينتحرون ببطء ويموتون بدمٍ بارد .
هناك البعض من ( الرجال أو النساء ) كادوا أن يموتوا من العبودية المفرطة الممارسة من الذين أطفأوا قناديل الحياة والجمال والسعادة في أرواحهم وقتلوا أحاسيسهم أو أعدموها وحرموهم من متع الحياة ، والآن أصبحوا رواد وقادة وسادة في مجتمعاتهم بعد أن أحدثوا في دواخلهم انتفاضة الحياة تحت شعار ( عش عزيزاً أو مت وأنت كريمُ ) ، وتحرروا من العبودية المشروعة أو المغلّفة في بعض المجتمعات .
ومن الجميل ذكره هنا هو أن التبلّد في الإحساس له عدة عوامل :
الأول : الظروف والتجارب :
إن الورود إذا حرمتَها الشمس وحبست عنها الماء والهواء تكون قد خنقتها ودفنتها وهي على قيد الحياة ، وإن كان ظاهرها البقاء ؛ فكم من الأحياء وهم ميتون ؟! .
إن ما ينطبق على هذه الورود الجميلة ينطبق على البشر، فكم من قلب طاهر ونقي قسى عليه من حوله فأحرقوا جماله ونبضه وإحساسه ، وكم من نفس مرهفة وأدَها أقرب الناس إليها ، وهنا مصداق آخر للآية الكريمة ( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ ۞ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ ، وكم من روح مجنحة وحالمة ومشرقة أطفأها الظالمون القساة النرجسيون ؟!! .
الثاني : الجهل .
الجهل نوعان ؛ الأول : ضد العلم ، والثاني : ضد الحلم وهو السفه والطيش . إن جهل الظالم أو جهل المظلوم هو معول هدم على المظلوم في الحالتين من حيث يدري ومن حيث لا يدري ، ولهذا كان لنور العلم والوعي والثقافة دور هام جدا ومحوري في الابتعاد عن الظلمات .
الثالث : العادات والتقاليد .
تلعب الطقوس الاجتماعية في الأسرة دورها الخطير في تبلد الإحساس لدى البعض . إن بعض المجتمعات العربية مجتمعات ذكورية بامتياز وطبقية تستعبد المرأة ، وتمسح كرامتها ، وتقتل أنوثتها ، وتلغي حقوقها ؛ وبالتالي تكون عبدة مرغمة وإن كانت بمسمى زوجة ظاهرا . بعض الرجال في هذه المجتمعات الذكورية يمارسون أقسى أنواع العبودية بزوجاتهم تحت ظلال الأعراف والعادات والتقاليد والآداب . ما أكثر ضحايا النساء من هؤلاء المرضى والحمقى والظلمة من الرجال !! . جل هؤلاء النسوة - هنا - ينعدم الإحساس لديهن أو يكاد .
الرابع : النرجسية والأنا .
هذا الصنف من الناس يتمحور حبه في الذات أو النفس فقط وفقط ، وبمبالغة وأنانية مفرطة ، ولا يتعاطفون مع الناس البتّه ، وبعبارة أكثر دقة : أنا ومن بعدي الطوفان . النرجسيون فقراء للأخلاق والتربية والدين في أغلب الأحوال . يشعرون بالنقص فيعوّضون ذلك بالتسلط والقسوة وفرض الرأي ، وبالتالي فإن أبسط ممارساتهم تكون في إطفاء أرواح من حولهم وسلبهم كراماتهم وهدم ثقتهم في أنفسهم وممارسة دور الملوك عليهم ، ومن الطبيعي أن يعدموا إحساس كل من هو تحت أيديهم .
العوامل الأربعة للتبلد هذه قد تكون مستقلة ، وقد تكون مشتركة ، وقد تتداخل مع بعضها .
وخلاصة القول : ينبغي أن يتعامل الإنسان أثناء تشخيصه لسلوكيات الآخرين بعدالة وميزان وواقعية حتى تكون أحكامه صائبة ، وقراراته سليمة ، وحياته آمنة ، واستقراره دائم ، ولا يَظلِم ولا يُظلَم .
عادة لا يرفع الإنسان المنصف الصادق المعتدِل سقف الأحاسيس السلبية عاليا ، ولا يتبلد فيها ، ولا يعيش إلا في البيئة التي توفر له الهدوء ، والسكينة ، والأمان ، والسلام ، وتحفظ له الكرامة والحقوق .
وعليه ؛ فإن اختيار الزوج أو الزوجة ، أو الجار ، أو الصديق ، أو الموظف ، أو سواهم يحتاج إلى دراسة دقيقة وتإنٍ قبل فوات الأوان حتى لا نقول سبق السيفُ العذل .
إن الحياة مع مفرطي الحساسية أشبه بالحياة على كفّ عفريت ؛ فلا سلام ولا سعادة ولا راحة ولا جمال ولا أمن ولا حب ولا دين ، وإذا فقدت الحياة ذلك فقدت جوهرها ومعناها تماماً ، كما أن الحياة مع عديمي الإحساس أشبه بالحياة مع الجوامد والآلات الفاقدة للنبض .
وعليه ؛ إن خير الأمور أواسطها ، ولهذا كان الاعتدال والموضوعية في الإحساس أثناء تشخيص سلوك الآخرين أو كلماتهم هو الخير لصاحبه وللناس .



