الادراك والوعي هو من طبيعة الكائنات الحية, لا الجمادات. في ذات السياق, هذا يأخذنا الى محاولة الإجابة على سؤال ملح. هل يوجد هناك ثمة نوع او مستوى من الادراك لدى الكون نفسه, لنفسه بجميع أجزائه وذراته؟ للوهلة الأولى قد يبدو هذا السؤال ساذجا بسيطًا إذا ما قرئ بحسب الظاهر، لكنه سيغدو أكثر تشعبا وصعوبة بلحاظ ما ينفتح من نوافذ وما يتجذر من أعماق. اسمح لي قارئي وقارئتي الكريمين بان اصيغ السؤال من خلال هذه الزاوية, هل الكون يدرك نفسه , بنفسه؟ وهل هذا الامتداد الهائل من النجوم والمجرات والقوانين الدقيقة يملك نوعًا من الوعي بذاته، أم أن الوعي هو ظاهرة محدودة نشأت فقط بداخلك انت كنموذج لكائن ناضج على كوكب صغير, اسمه الإنسان؟
حين ترمي بطرفك للسماء ليلا، وتتمعن لهنيئة في تلك النقاط المضيئة المتبعثرة في الفضاء فانه يخيل اليك ان الكون بلا حدّ. بالطبع سيجول في خلدك أن هذا الوجود المترامي هو صامت، بارد، لا يشعر ولا يفكر, مثلما تفعل انت. مجرات تدور وفق قوانين الجاذبية، ونجوم تشتعل وفق تفاعلات الاندماج النووي، وكواكب تسير في مداراتها, وكأنها أجزاء من آلة كونية دقيقة محكمة. احكمها خالقها بقدرته, الله سبحانه وتعالى, الكبير المتعال. فلا تتضح لك في هذا المشهد الكوني, ما يشي ببوادر من وجود دلائل على الفكر أو الشعور أو الإرادة لدى الكون نفسه, كونه جمادا.
لكن المفارقة العجيبة تكمن في حقيقة الطريقة والكيفية التي تدرك بها انت الكون من حولك. تذكر أيها الانسان الذي يتساءل عن الوجود, بانك لست كائنًا منفصلًا عن الكون خارجا عنه، على العكس تماما, فانت جزء متأصل منه ومندمج فيه ومتفاعل معه. (فنظر نظرة في النجوم فقال أني سقيم). فذرات جسد البشر كانت قد صُنعت في قلب النجوم القديمة، من جراء انفجاراتها, واما العناصر التي تكوِّنت منها بذرة خلايا الجنس البشري فبذاتها هي التي شكلت السحب الكونية وما تلاها من كواكب. وبعبارة علمية مبسطة, الإنسان ليس جسدا خارجا طارئا على الكون، على النقيض تماما, فما يجدر به الا ان يكون اهم تجلياته, واظهر اثاره.
ومن هنا ينبغي لنا ان نعيد السؤال بصيغة أخرى أكثر واقعية, إذا كان الإنسان جزءًا من الكون، وكان الإنسان قادرًا على التفكير في الكون وتأمله، فهل يمكن القول إن الكون – ومن خلال الإنسان – قد أصبح قادرًا على إدراك نفسه, بنفسه؟
وددت ان استعرض بعض صور الادراك الكوني التي أشار اليها القران الكريم من خلال الآيات الكريمة التالية:
1. (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ)
2. (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)
3. (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)
4. (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)
ماذا عن العلم الحديث؟ ذاك الذي لا يتحدث عادة عن “وعي الكون” من جهة كونه حقيقة علمية، لكنه يكشف عن أمر لا يقل دهشة. إن قوانين التطور والتكيف الطبيعية مكنت، عبر سلسلة طويلة من التوسع الكوني والبيولوجي، من ظهور كائنات حية تمتلك شيئا من الوعي والادراك النسبي. اما الانسان فنظرا لان الله سبحانه وتعالى اختصه بالتكريم, اكراما واجلالا لرسول الله صلى الله عليه واله الطيبين الطاهرين (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) فهو دون غيره من الموجودات يمتلك حصرا الفكر والمعرفة والادراك والقدرة على طرح الأسئلة الكبرى. فمن انفجار كوني أولي، إلى تشكُّل النجوم، إلى تكوُّن العناصر الثقيلة، إلى ظهور الحياة، انتهاء بالإنسان العاقل المفكر, حتى لكأنك تخالها سلسلة طويلة, قد انتهت بكائن يقف على ضفاف هذا الكوكب المفعم بالحياة, متأملا للكون ومتيقنا من قدرة الله وعظمته.
بهذا المعنى يصبح الإنسان أشبه بمرآة كونية. فالكون في بداياته كان مادة وطاقة تتحرك وفق قوانين صامتة، لكنه مع ظهور العقل البشري اكتسب بعدا إضافيا جديدا, يرتسم في القدرة على التأمل والتفكر والمعرفة. وكأن الكون – عبر رحلته الطويلة المفعمة بالتحولات – قد تلمس في احشائه كائنًا مختلفا يستطيع أن يسأل: من أنا؟ ومن أين جئت؟ وما سر هذا الوجود؟ اسئلته الفطرية هذه هي التي قادته الى معرفة الله سبحانه وتعالى.
غير أن هذا التأمل لا ينبغي أن يقود إلى الوهم بأن الكون هو عبارة عن كائن واعٍ بذاته من ذاته على نمط الطريقة البشرية التي نعرفها. فالوعي لدى الانسان يتمحور حول الترابط والتخادم الوظيفي بين الدماغ والجهاز العصبي، كظاهرتين بيولوجيتين تبلورتا في مرحلة متأخرة من تاريخ الكون. لذلك فالأقرب إلى الدقة أن نقول إن الكون لا يحسن ان “يفكر” بذاته، لكنه قادر على استنهاض الهمم في الكائنات القادرة على التفكير, وبالطبع المنحصرة في الانسان نفسه.
هناك نصوص قرآنية كثيرًا ما تدعو الإنسان إلى النظر في السماوات والأرض، وكأنها تشير إلى أن وظيفة العقل البشري ليست مجرد العيش في الكون، بقدر ما تنسحب وتشتمل على الفهم والتأمل للكون. فالإنسان حين يتفكر في الكون لا يقوم بعمل علمي فحسب، بل انه يمارس وظيفته الوجودية العميقة, التي تتمحور حول فهم موقعيته ودوره ومنصبه في اعمار هذا البناء العظيم.
ومن هذه الزاوية المركزية يصبح السؤال “هل الكون يدرك نفسه؟” سؤالًا عن الإنسان نفسه, بقدر ما هو سؤال عن الكون. فالإنسان هو النقطة التي يلتقي فيها الكون بالملاحظة، والمادة بالوعي، والوجود بالسؤال. إنه الكائن الذي يحمل في جسده تاريخ النجوم، وفي عقله القدرة الاصدق والادق على فهم هذا التاريخ الكوني.
ولعل أجمل ما في هذا التأمل أن الإنسان، بالرغم من صغره بالمقارنة مع حجم الكون وترامي اطرافه، الا انه يتميز بقدرته الفريدة على أن يقف منتصبا شامخا بين الأرض والسماء متأملا مدققا متفكرا، بينما هو ينظر إلى النجوم بأضوائها البعيدة. عندها يصبح نتيجة هذا التمعن كأنما الكون بذاته – بطريقة ما – قد نظر إلى نفسه من خلال عدسة العين البشرية. دعني اختم بما روي عن امير المؤمنين عليه السلام (اتزعم أنك جرم صغير, وفيك انطوى العالم الأكبر).



