09 , أبريل 2026

القطيف اليوم

حكمة خفية

قال تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} {الكهف: الآية 66}.

من تلك الموارد والنماذج التي تسلط الضوء على فهم الحكمة الإلهية الخفية في تدبير بعض الأمور التي لا نُدرك المغزى والمقصد منها، هي قصة نبي الله موسى (ع) وما أقدم عليه العبد الصالح الخضر (ع) من أفعال غير مبررة ولا مفهومة؛ لتكون تلك الواقعة مصدر إلهام وإفهام لعقولنا في النظر إلى ما وراء الأحداث الحياتية، مما ظاهرها ألم يعتصر القلب واستنكار وجداني لما يحيق بأهلها من سوء، ولكن وراء ذلك حكمة إلهية تخفى علينا ولا يمكن لعقولنا القاصرة بلوغ كنه فقهها، فما يبدو لنا من ظاهر خير بعض الحوادث والأمور أو توصيفها بالشر قد يخفي خلفه حقيقة أعمق وأكبر تختلف عما تتصوره عقولنا، وفي بعض المواقف التي لا يدركها العقل البشري في حينها قد يطّلع بعد فترة زمنية على فك لغزها وسرها بتوفيق من الله تعالى وما أبداه المرء من صبر في خضم ذلك الامتحان الإلهي.

عندما طلب نبي الله موسى (ع) من الخضر العلم وتفسير تلك الأفعال – المشينة في ظاهرها – الصادرة منه، جاءه الرد الحازم والمذكّر له بالاتفاق الأولي بينهما بعدم طرح التساؤلات عما يراه خلال تلك الرحلة العرفانية المباركة: (إنك لن تستطيع معي صبرًا)، فهذا تحذير واضح وصريح بأن المعرفة المتحصّلة من صحبته للعبد الصالح تتطلب صفات خاصة، تتطلب قلبًا صابرًا يتفحص الأمور دون عجلة أو تسرّع في توصيفها ونسبة الشر والعدوان لفاعلها، وتتطلب قدرة على ضبط النفس بعدم البحث عن التفسير الظاهر لكل حدث وموقف، فهذا الصبر المتحقق هو مفتاح الدخول إلى أبواب الحكمة والعلم الإلهي. فهنا اختبار من نوع آخر لم يألفه نبي الله موسى (ع) بمواجهة الأمور بوضوحها الظاهر – إذ لم يطلع الله تعالى نبيه موسى (ع) على خفاياها لحكمة مع أعلميته (ع) – إنها معرفة لا تُفسّر بظاهر الأحكام عليها إذ تختفي تحت سطحها الغايات المرعيّ فيها المصلحة بحسب التدبير الإلهي، فهذه المعرفة الربانية مفتاح الوصول إليها التسليم للأمر الإلهي والتأني وضبط النفس في التعاطي مع الأحداث، فهذه الرحلة العرفانية المُبتغى منها إدراك خفايا وخبايا الأمور والوقائع يبتدئ طرف الخيط فيها باختبار مرارة الصبر وعدم التعجل بظهور النتائج والآثار، إذ يمتحن الله تعالى المؤمن في بعض المواقف المؤلمة في ظاهرها بمدى جاهزيته لاستقبال العلم والحكمة الخفية ومدى قدرته على تجاوز الظاهر إلى الباطن، فالعبد الصالح كالخضر (ع) هو حامل مفتاح الحكمة، لكن هذا المفتاح لا يُعطى إلا لمن عرف كيف يصبر على ما لا يراه ويفهم ما لا يُفسَّر مباشرة.

والمغزى والرسالة من هذه القصة هي الوصول إلى المعرفة التوحيدية والإيمان بالقضاء والتدبير الإلهي، مما ظاهره ألم وشرور كما في حدث خرق السفينة أو قتل النفس البريئة – في الظاهر – أو بناء الجدار لقرية أهلها يتّصفون بالبخل، فينبغي توجيه النظر إلى أن هناك أمرًا باطنيًا قد يحمل في طياته نجاة وخلاصًا في مضمون الحكمة الإلهية، كما أن ما يبدو جدارًا قد يكون درعًا يحمي سرًا أو كنزًا لا يدركه إلا قلب متفتح ومتأمل ونفس تسلّحت بالصبر والتسليم.


error: المحتوي محمي