على مدى عشر سنوات، ومنذ أن بدأت رحلتي في توثيق التاريخ المعماري في واحة القطيف، كنت أبحث عن الذاكرة الحية… لا في الكتب فقط، بل في صدور الرجال ، كنت أطرق الأبواب، أجلس مع كبار السن، أستمع، أدوّن، وألتقط من حديثهم ما لا يُقدّر بثمن ، أولئك الذين عاصروا ما قبل دخول الكهرباء في بداية الستينات الميلادية، من مواليد الأربعينات والخمسينات وما بعدها، كانوا بالنسبة لي مكتبات مفتوحة، تحمل تفاصيل الحياة كما كانت صادقة، بسيطة، وعميقة.
⁃ بين بلدات ومدن القطيف .
تنقلت بين القطيف وقلعتها، وبين جزيرة تاروت ودارين، وسيهات وصفوى والقديح والجبيل والآجام، أبحث عن الشهود، عن الحكاية، عن أثر المكان في ذاكرة الإنسان ،التقيت بمؤرخين، وباحثين، وأدباء، ورجال ونساء بسطاء يحملون في ذاكرتهم ما يعجز عن حمله كتاب ، كنت أعتمد في كتاباتي على هؤلاء الشهود، أمثال المرحوم عبدالرسول المصطفى، والمرحوم عبدالمحسن القمارة، والمرحوم أبو عبدالمعطي المختار، والأديب الشاعر السيد عدنان العوامي، وأستاذي علوي الخباز، والحاج مبارك أصباخ، وأخي أحمد هجلس، والحاج مهدي الصفار – متعه الله بالصحة – وغيرهم كثير ممن أثروا رحلتي وأغنوا معرفتي ، كما كان لي شرف الجلوس والاستفادة من المؤرخ عبدالرسول الغريافي و المهندس فؤاد الجشي ، الأستاذ محمد حسن الزاير ، والشيخ زكي الخنيزي، وعبدالحسين القطيفي (القبعة)، والأستاذ أزهر التوبي ، والحاج سيف بزرون ، والأستاذ حسن رضوان ، في لقاءات متعددة ومتفرقة ومتباعدة ، حفلت بالمعرفة والتفاصيل التي لا تُقدّر بثمن ،لكن ما يدفعني للكتابة هذا المساء، ليس التوثيق فقط بل الألم والحسرة .
⁃ ألم الرحيل.
رحل عنا من كان يحمل بين جنباته ما يكفي لكتابة مجلدات عن تاريخ واحة القطيف، أمثال المؤرخ المرحوم عبدالخالق الجنبي، والخطاط المرحوم عبدالله الغانم ، والفوتوغرافي الحاج عثمان أبوالليرات – رحمهم الله – وغيرهم ممن غادروا، وتركوا خلفهم فراغاً لا يُعوّض ، والأشد ألماً !!! أن من لا يزال بيننا، نحاوره ونلتقي به، لكنه لم يُفرغ ما لديه من شواهد وحكايات ومعلومات بعد ، كنوز من الذكريات، تفاصيل دقيقة، قصص لم تُروَ، وأحداث لم تُدوَّن ، مهددة بأن ترحل بصمت.
⁃ العمر قصير .
بعضهم يظن أن في العمر متسعاً ، وأن الوقت لا يزال طويلاً ، ولا يدري أن الموت لا يُمهل، وأن اللحظة قد تخطف ما لم ينشر أو يُكتب ، و يضيق صدري حين أفكر في ذلك ، في ذاكرة تُدفن، وتاريخ يتلاشى، وجزء من وطن كان يمكن أن يكون أغنى مما هو عليه.
⁃ لاتؤجل .
لهذا، هي دعوة أُجددها من القلب ! اكتبوا وتفرغوا للتدوين ، ولو رؤوس أقلام ، انشروا ما لديكم من صور، ووثائق، وذكريات ، سجّلوا أصواتكم، واحكوا قصصكم ، وإن لم تستطيعوا، فاذهبوا لمن تثقون به ، فهناك من يحفظ، ويوثق، ويُقدّر ، اليوم، من بيننا من تجاوز التسعين، ومن يقترب منها، ومن في السبعين والثمانين يحفظكم الله من كل سوء ، ولو أن كل واحد منهم كتب جزءً مما لديه، لكانت واحة القطيف كنزاً معرفياً لا يُقدّر بثمن ، الجهات الرسمية أبوابها مفتوحة، والوسائل الحديثة أصبحت سهلة، تحفظ الحقوق وتصون الذاكرة.
⁃ أمل يتجدد .
إن توثيق الذاكرة الشفوية لا يُعد عملاً مكمّلاً لكتابة التاريخ فحسب، بل يمثل أحد أهم مصادره الأصيلة، خاصة في البيئات التي لم تُدوَّن تفاصيلها اليومية بشكل منهجي في فترات سابقة ، فالرواة والشهود يحملون في ذاكرتهم طبقات من المعرفة المرتبطة بالمكان والإنسان، تعكس أنماط العيش، والتحولات العمرانية، والعلاقات الاجتماعية في سياقاتها الحقيقية ، لقد بيّنت التجربة الميدانية أن هذه الذاكرة، على غناها، تظل عرضة للفقد ما لم تُوثّق وتُحفظ وفق منهج علمي واضح، يجمع بين التسجيل، والتحليل، والمقارنة، وربط الروايات بالسياق التاريخي العام ، ومن هنا، تبرز أهمية المبادرات الفردية والمؤسسية في تبني مشاريع التوثيق، وتوفير منصات تحفظ هذا الإرث وتتيحه للأجيال القادمة ، إن واحة القطيف كغيرها من مناطق وطنا العزيز ، بما تمتلكه من عمق تاريخي وتنوع ثقافي، تستحق أن يُكتب تاريخها بأصوات أهلها، وأن تُحفظ تفاصيلها كما عاشها من شهدوا تحوّلاتها ، فالتاريخ لا يُبنى فقط من الوثائق، بل من الذاكرة أيضاً ، حين تُنقذ من النسيان .



