من سنوات عديدة مضت. سافرت إلى إحدى الدول الأوروبية عن طريق مطار دبي. في قاعة ترانزيت جلست سيدة في العقد الخامس من عمّرها ، ضمن أعداد غفير من المسافرين،والمحشورين في قاعة ترانزيت، . جلست سيدة في العقد الخامس من عمرها ضمن أعداد غفيرة من المسافرين المحشورين في قاعة الانتظار . كانت السيدة الغريبة قد احتلت مقعدا منفصلا، جلست وفي يدها مسكت كتابًا كانت تقرأ فيه بلغتها التي لا أعرفها. صادف وأن كان المقعد الذي أجلس فيه قبالها مباشرة، ولكن يفصل بيننا مسافة تسمح من خلالها مرور المسافرين .
لفتت إنتباهي وهي تقرأ في ذلك الكتاب، وتبتسم حتى تطول ابتسامها وتتحول ضحكات خفيفة ، وسرعان ما يتحول الضحك إلى قهقهة ، ملفتة لجميع من كانوا حولها أو قريبين منها . كان واضحًا أنها تتحدث مع نفسها وهي تقرأ كل سطر من كتابها الملفت للنظرات . وكانت عيناها تلمعان بالفرح والإثارة. لاحظت أن الأشخاص الآخرين في المكان بدأوا ينظرون إليها بابتسامة، وكأنهم يستمتعون بفرحها.
فأحيانًا تعدل الكتاب مباشرة أمامها، وأحيانًا تحاول وضعه بطريقة عكسية. تزداد ضحكاتها على حين غرة مصحوبة بقهقهة لها صوت مسموع ، وأحيانًا أخرى تبدو في منتهى الجدية والتقطيب. كان يبدو عليها أنها تعيش في عالمها الخاص ، لم تكن تشغلها نظرات الناس ، ولا حتى ردود افعالهم نحوها ، إنها ببساطة منشغلة بنفسها ، دون ان تكترث لاحد من الموجودين .
كانت ضحكاتها تتعالى ، وانفعالاتها تزداد ، فتارة ترفع إحدى يديها عالية، أو تمط بشفاهها وتعقد حاجبيها، وتكسر نظراتها، لم تكترث للنظرات المتربصة بها ، إلا أنها كانت تمدّ ببصرها نحو مدرجات المطار، وترفع كتّابها متمتعة بلغتها التي خمنتها من احدى دول شرق أوروبا، بشرتها البيضاء وشقار شعرها يشيران إلى ذلك.
كان الكتاب الذي تمسك به على شكل كراسة زاهية الألوان ، وكأنه كتابا مخصصا للبنات الصغيرات ، الأمر الذي جعله لا يتناسب مع سن تلك السيدة المثيرة للإنتباه. بالتأكيد، لست أنا الوحيد الذي لفتت نظره تلك التصرفات والانفعالات آلغير مستساغة ، بل على الأرجح جميع من كان قريبًا منها في الصالة أصبح مندهشا من هول المنظر المثير. والأدهى أنها لم تكن تكترث لمن حولها ولا إلى النظرات المصوبة نحوها وحسب ، بل كانت حركات يديها وتعابير وجهها كانا يزيدان الموقف غرابة .
قال أحد الجالسين بجانبي، بلكنة عربية مكسرة: "هذا حرام، حرمة مجنون يسافر لوحده!" أيدَه آخر يجلس بالقرب منه في الحال. حتى أنا قد تجاوبت مع الطرح، فقد كانت المرأة تضع رجلًا على رجل وتقرأ في كتابها بانفعال واضح دون ادنى اكتراث لأعين المحدقين بها .
كان غالبية هؤلاء المتواجدين في القاعة من الجنسيات الآسيوية المختلفة ، بلباسهم الشعبي ، وعمتهم الكشميرية المميزة، النساء أيضا كان لهن دورا في التجمهر حولها ، ولكنّ الابتسامات ، وضحكاتهن الخفيفة هي ما كان يميز ردود فعلهن .
ما لفت نظري ، ظهور شيخ كبير في العمر ، جاء نحو المتجمهرين ، مغتاظا، رافعا صوته الهزيل في وجوه المحتشدين، معاتبا أياهم بخطبة لم تنقطع حتى تفرق جمعهم ، مطأطأين رؤوسهم . عرفت من أشارات كلامه ، وطريقة حديثه بأنه يعيب عليهم هذا الفعل الذي يقومون به ازاء أمرأة ليست من جنسهم ، ولا تنتمي إليهم .
عندما هممت للمغادرة من مكاني ،وقفت مستعدًا للتوجه إلى مكان آخر. عندها بانت لي الصورة كاملة، فقد كانت خلف الكتاب تقبع شاشة آيباد، ومنها كانت تطل فتاة كأنها في عمر الخامسة عشرة. افترضت في قرارة نفسي أن السيدة كانت طيلة الوقت تحدث ابنتها أو إحدى قريباتها.
قبل أن أغادر المكان، ألقيت نظرة أخرى على الجالسين أمام السيدة، حيث لا تزال وجوههم مصوبة نحوها ،وعلامات الدهشة أصبحت تكبر، وعواطف الشفقة نحوها تزداد. كانوا يقولون في أنفسهم :"مسكينة تلك المرأة التي فقدت رشدها وضاع عقلها وأصبحت من فئة المهلوسات".
كانت علامة الدهشة تكبر لدى الجمهور المسكين الذي كان يراقبها من بعيد دون إزعاج هذه المرة ، خصوصا عندما تناولت مرآة صغيرة ومشط ، وأخذت تسرح شعرها ، وأبتسامة عريضة لازالت معلقة فوق غمازة وجنتيها ، وفرح يطل من عينيها الصغيرتين.
وعندما لمحتهم وهم على تلك الحال ، زادت ابتسامتها ، التفتت إلى حاجياتها ، و وجدت شاشة الايباد مضاءة ، مزينة بصورة كبيرة لفتاة جميلة بعمر الربيع .
حينما أغلقت السيدة كتابها وعادت إلى هدوئها ورزانتها، وأطلت على الوجوه المندهشة بنظرة واثقة، بينما أخذت فنجان الشاي البارد وصارت ترتشفه بتلذذ ، دون أن تبدي أدنى اكتراث لما يدور من حولها.سوى نظرة شفقة حانية ألقتها لتلك الوجوه اليابسة، المتدثرة بقطع من القمآش الملونه، و عندما لمحت وجه الشيخ العجوز المنفرجة أساريره، حيّته بطريقة لبقة وكأنها كانت ترغب بأن تستفسر منه عن سبب لهذه الجمهرة من حولها ، فهل بدر منها أساءة غير مقصودة ؟.
وعندما ايقنت أن لا جواب لتساؤلاتها الداخلية نهضت من مكانها و شقت طريقها بين صفوفهم ببدلتها الرياضية التي كتب على ظهرها (تركمانستان) كانت مرتدية نظارة شمسية فاخرة، بقوام ممشوق ، وروح طليقة . مرت على الجموع بهمة ونشاط ، وبثقة عالية مشوبة بالفخر من إنجاز كبير قد تحقق ، هاكذا كان يبدو واضحا عليها !
واصلت سيرها ،غير مبالية لنظارات البسطاء من حولها ، حاملة شنطة جلدية مطرزة بماء الذهب على كتفها الأيسر ، وبيدها اليمنى حملت الايباد الذي لازال غالبية الناس إلى ذلك الوقت يجهلونه ، فقد كانت النخبة المرفهة وحدها من كانت تقتنيه ، وتتعامل معه بمهاره تليق بمكانهم .
سحبت نفسي ببطء نحو بوابة المغادرة بشفقة على نفسي و على البسطاء من الكادحين الذين أعادوا ترتيب جلساتهم بأنتظار الاعلان عن موعد إقلاع طائراتهم .أما السيدة الأنيقة فقد انضمت الى مجموعة من بنات جلدتها ، وهن بنفس لباسها، حتى أنها ضاعت وسطهم .



