لاهياً في روتيني اليومي، ومبعثراً بين ضجيج الأخبار، الوقت ضاغط والجو خانق، والمدلهمات حصار لا يُعرف مداه.
في الليل النوم متأخر ومتقلب، أعوضه ساعة من نهار، بالأمس أخذت غفوة بعد الضحى بين جنبات الكتب، صحوت مثقل الرأس وأنفاس الظهر تقترب، أنظر لجوالي بين ملل وتثاؤب، وإذا برسالة من أخي عبدالاله تتصدر كل الرسائل، أوشكت أن أفتح الجوال بين تردد وحيرة، محدثاً نفسي ماذا سيرسل أخي غير أخبار الموتى، عادة يبلغني بأنباء بعض الراحلين، فقد أخبرته سلفاً بأنني أتجنب بعض الأحيان من تصفح خانة الوفيات، ليس خوفاً من ذكر الموت وهو حق على العباد، ولكن لكي لا أتألم بخبر رحيل الشاب أو الشابة، لأنني أشعر بحالة أسى خانقة.
فتحت الرسالة لمعرفة من الذي غادرنا الحياة، قرأت عنوان الخبر المنشور في قطيف اليوم (الحاج سلطان تلاقف في ذمة الله)، يا الله يا الله.. ما هذا.. ارتجاف.. وتلكؤ في النطق.. إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، معقوووولة.. أبو جواد مات.. يا إلهي.. ما هذا الخبر الصادم، ما هذا الخبر الموجع الذي مضى على نشره أربعين دقيقة، قشعريرة سرت في جسمي باهتزاز مشاعر.
فررت مذهولاً نازل السلم لأبلغ زوجتي بالخبر الصاعق ظناً مني بأنها لا تعرف شيئاً، لم أجدها في البيت، لقد تجنبت إيقاظي خشية من حالة هلع تصيبني بعد النوم مباشرة بمثل هكذا خبر، هي اقتربت وكادت أن تنبهني، لكنها تركتني وآثرت الخروج سريعاً ذاهبة لبيت فادية بنت أخيها سلطان أم أحمد طارق صفوان، اتصلت بها فوراً جاوبتني بصوت خافت غير مسموع وأصوات صراخ النسوة يعلو على صوتها، بكاء متبادل والكلام تائه.
فوضى حواس، ارتباك مشاعر، أدوات استفهام حيرى، قسوة نبأ، تنهدات تائهة في الفراغ، يا وجع الأيام ويا حزن التأوهات الراصدة المترصدة للأنفس الثكلى التي تحاول ترميم زمنها القاسي ونصيبها المكلوم الذي يتبعها مثل ظلها، وكأن الفقد حالة مستدامة.
ما أصعب أن يرحل عنك حبيب فجأة دون سابق إنذار، دون مرض، دون إخطار، وما أقسى الموت المباغت الذي يخطف الأعمار دون هوادة ولا حتى لحظة انتظار.
عند بزوغ فجر يوم الأربعاء فاضت روح سلطان وارتقت لبارئها، رحل عن عائلته بصمت بمنزلهم الكائن بالجبيل.
إيه يا سلطان رحلت عنا خلسة وتركتنا نتجرع الحسرات ونجتر الآهات.
أحدث النفس والأنفاس مخنوقة، فأسترد لحظات كنا فيها معاً قبل اثني عشر يوماً، بتلبية دعوة معتادة عند أخيك الأكبر أبو حسام في منزله الكائن بالربيعية، تجمع عائلي سنوي منذ حياة الوالد لنثر تبريكات يوم عيد الفطر المبارك ومعايدة الصغار، بعد الانتهاء من الغذاء جلست بجواري يا أبا جواد نتحاور حول الفن، في البدء عاتبتني قائلاً لي لماذا تجلس على السفرة ولا تمد يدك للأكل؟ كان جوابي المحفوظ سلفاً: (لحم وأرز الولائم أتجنبه من مدة زمنية)، بشاشة قلبك منعكسة على محياك: (أوعدك يا أبو محمد في العيد القادم أجيب لك سمكة مشوية دفتر)، بمشيئة الله يا أبو جواد.
تجلينا فرحاً وأخذنا الحديث بعداً حول معرض جماعي قادم يحتفي فقط بالبيئة المحلية رسماً ولوناً والمختارون خمسة أو سبعة فنانين، وأنت يا أبا جواد واحد منهم ولديك خبر من عدة أيام، تعقيب بفرح: (والله فكرة المعرض ممتازة)، فتح الجوال ليطلعني على اللوحات التي انتقاها والتي أرسل صورها للأخ حسن أبو حسين نائب رئيس جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، قلت له: (جميلة جداً ومرتبطة بالتراث).
وقفت أنظر بتأمل عند صورة إحدى لوحاته بدهشة وكاميرات الجوال ترصد اندماجنا في الحوار، قلت له: ما أجمل هذه اللوحة بحق معبرة، تمثل طفلة وحيدة محاصرة بين الأطلال تعطي ظهرها للمشاهد وهي تتأمل بقايا منزل قديم متهدم، وكأنها تخاطب الأثر ولسان حالها يقول أين الذين كانوا هنا، ومتى رحلوا، وكم عاشوا في هذه الدار؟ قلت له بإعجاب وإطراء: هذه الالتقاطة غير تقليدية، أفضل من اللوحات الأخرى لقيمتها الرمزية وبنائها التكويني غير المعتاد وزاخرة بالتفاصيل في رسم كومة الحجارة المتناثرة والمكدسة على بعضها البعض، إحساس بالمكان بتوهج اللونين الرمادي وأسطع البرتقاليات لتبعث شكوى وأنين لمن عمروا الديار وقضوا نحبهم بعد حين، بقايا نزل تشكو الإهمال، ولا عزاء لمن ضيع التراث.
ربتُّ على كتفه ومشدداً على هذا النهج الفني الرائع، قال لي بانتشاء وابتسام: (وما رأيك في هذه اللوحة؟)، قلت له: (هذه حنين لزمان أول، فتاتان في مقدمة اللوحة بأزيائهن الشعبية، براءة طفولة تشع من بين البخنگ المزخرف بتطريزات آسرة وفي البعد منزل قديم والسماء في لحظة غروب، بكاء على هجران الأثر، وهذا العمل امتداد لذاك العمل).
استرسل بتقليب صور لوحة أثر أخرى، لكني انحزت كثيراً لتلك اللوحتين المشروحتين أعلاه باقتضاب، خاطبته برسم لما هو آت: يا أبا جواد عليك بمثل هذا الاشتغال الذي يدع المشاهد يسوح فنياً ودلالياً، وإن شاء الله أرى لك معرضاً شخصياً مستقبلاً، وعادني بسلام كف بكف قائلاً: (أبشر لدي تصورات وأحلام)، لم أكن أعلم حينها بأنها كانت آخر مصافحة.
في يوم ثاني العيد عزيمته المفضلة بمنزله بالجبيل حيث يدعو خواته وبناتهم والأحفاد على وجبتي غذاء وعشاء، في هذه المرة صحبهن اثنان من الأزواج الشبان، والشيء الغريب كان جلوسه معهما اقتصر على تناول الطعام في المجلس وارتشاف استكانات الشاي، وعاتبته زوجته: (روح اقعد ويا الرجال لا تخليهم لحالهم)، رد عليها: (غير ولد أختي وولد خالتي خليني أجلس ويا خواتي).
وعند اقتراب منتصف الليل ودعهم عند باب منزله قائلاً لهن باللغة الإنجليزية:
I was pleased to meet you وهو يلوح بيديه والابتسامة تبرق من وجهه وتتلاقى مع برق السماء، بينما المطر ينهمر عليه دون مبالاة وكاميرا الفيديو لأخته أم الياس من داخل السيارة توثق المشهد وتقول: (الجبيل تودعكم بالرعد والأمطار)، كانت حركة يديه تلويحة آخر اجتماع.
عند نهاية كل شهر وقدوم آخر يمر على بناته يأتي محملاً بما تجود نفسه بالغالي والنفيس، وبين سنابس والمنيرة ذهاباً وإياباً غذاء وعشاء هنا وهناك وتجهيز طبق ما تشتهي نفسه، وكالعادة أحفاده في انتظاره، هو السلوى وعمود الخيمة لأيتام أبناء المرحوم الشاب طارق صفوان، هلَّ شهر أبريل ولكن هذه المرة أتاهم محمولاً في سيارة إسعاف جسد ممدد بلا حراك، ظلت المائدة خاوية من أهلها، والأكف تشيعه لمثواه الأخير.
إيه يا سلطان هل أتعبتك الحياة وأنت المترجم لفعل الحياة لجمال الحياة وحتى بعد التقاعد زدت نشاطاً على نشاط، لا يمر عليك يوم دون عمل دون حركة، أنفاسك إنجاز، فأنت الفنان في كل شيء، في كل حرفة لك نصيب: بناي، سباك، كهربائي، صباغ، بحار، طباخ، رسام، خطاط، وشاعر شعبي، قريحتك زفرت الزهيريات بين غزل ووجدانيات وحب ولائي وحكمة وأمثال ومواويل بحرية، يداك تتلون بين خشونة عمل ورقة فن، أناملك ماهرة في عزف الريشة بين اللون والوتر، وذائقتك البصرية لماحة في التقاط الجمال وخصوصاً في الجوانب التراثية والواقعية الاجتماعية التي أودعتها في العديد من اللوحات.
الويل لمن لا يتقن رسم السفن البحرية من الإخوة الفنانين، عيناك لهم ناقدة لاكتشاف مكامن الخلل باتباع الرسم الصحيح، أنت فنان بالفطرة وعصامي علمت نفسك بنفسك دون مساعدة من أحد.
وكم تبدي إعجاباً لأي عمل فني مهما كان مستواه، نظرتك متوازنة وأنت المشجع والمحفز للفنانين والفنانات والناشئين والناشئات، دورك مشهود ومميز بإشرافك على خيمة الفنون بمهرجان الدوخلة لسنين خلت.
ولله درك وأنت المصاب بوفاة ابن خالك زوج بنتك الكبرى الشاب طارق صفوان أحد العاملين في القرية التراثية، لم تترك المهرجان وهو في بداية انطلاقته، اشتغلت بهمة ونشاط، لم تركن للحزن وكأن تطوعك فرصة لترميم أوجاع الفقد، وقلت لك بعد أن توقفت فعالياته وبقي كذكرى عذبة عالقة في الأذهان كم كانت لنا أيام في مواسمه مع الصحب الجميل وعلى رأسهم الفنان سعيد الجيراني وبقية الإخوة والأخوات، وتؤكد بأن لديك أحلاماً بسعي نحو التطوير وكنت تتمنى أن يعود المهرجان لترجمتها واقعاً يُعاش.
هل تعاد أيامه وتحيا لياليه من جديد؟ لكن كيف يعود حلمك ويبعث حياً وقد آثرت الرحيل يا حلو الطباع، فأنت الضاحك الضحوك والمستبشر برؤية الأحباب والأصحاب، الجلوس معك لا يُمل، الفكاهة ديدنك، وكأنك ممثل كوميدي والطرائف على لسانك والقفشات مثل نسمات هواء عليلة تسديها لنا في كل لقاء وجلسة، وانهماكك في العمل لديك واجب مهم اشتد وتعقد، كل شيء عندك سهل بروحك الوثابة.
أي قسوة على القلب أن نفقد عزيزاً يحمل من الطيبة والشمائل الحميدة والكرم المادي والمعنوي والمواهب الشتى.
إيه يا زمن لماذا نفقد الذين نحبهم حباً جماً وكان لوجودهم راحة بال ومسرة وأنس عشرة وبهجة خاطر.
بالأمس يا أبا جواد حملك المشيعون وأهالوا عليك التراب ونفوس الأهل ملتاعة عليك بالنحيب.
حين قرأت الفاتحة على روحك وعلى قبر أمي وأبي، بحثت عن أختك زوجتي خديجة لأعزيها وإذا بها واقفة بين قبر أختك الراحلة أنيسة وقبر أمك، أخذتها بالأحضان بين القبور والدموع تنهمر على أكتافنا مدراراً، قلت لها هل أخبرتيهما! جلست واضعة يدها على قبر أمها تخاطبها: (يا أماه جاك أول الوافدين)! والمفجع مرت بنا ابنتك الكبرى فادية أم أحمد وهي تنوح وتنادي: (صارت المقبرة بيت أبوي)! زادتنا بكاء على بكاء.
(أيا عمر انقضى وراح وما شفت راحة..
أعض بشفاي حيل فركت راحة،
آنا سويت.. عذبني زماني..)
رحماك يا ربي بالأنفس المكلومة.
وها هي قريحة الشاعر الشعبي المبدع علي الدرازي أبو حسن ترثيه عبر الأبيات التالية:
(زمان التعب والآهات والويل
كتب أتعابه فوق الروح عنوان
نهاره يصير بالويلات كالليل
يخلي ناظر المكلوم سهران
إذا مال بمصابه شاين الميل
يشحن خافق المصيوب بشجان
يسرع بالمصايب سرعة الخيل
أخذ منا عزيز الأهل سلطان)
فيض مشاعر من قلب محب، من قلب جار كانا في الصغر جيراناً وإخواناً ركضا على أسياف السنابس بين صيد الطيور والأسماك وسباق بالألعاب الشعبية على الرمال الرطبة في أماسي القيظ.
يا سلطان ابن علي غادرتنا على عجل وفي خاطرك أحلام، هل انتهت وانطفأ كل شيء؟
غاب صوتك وغابت كل الضحكات.
عند منتصف الليل تتلو زوجتي آيات من الذكر الحكيم وتهبها لروحك التي غادرت دنيانا من غير استئذان لتأنس وحشة أول ليلة في قبرك.
وداعاً يا أبا جواد، يا خال أولادي، وداعاً أيها العزيز الغالي، العزاء لزوجتك المخلصة أم جواد وبناتك وولدك الوحيد وإخوانك وخواتك وجميع الأهل وكافة الأصدقاء المخلصين والزملاء وكل المعارف من أبناء البلد، جعل الله قبرك روضة من رياض الجنة، وسلام على روحك يوم ولدت ويوم تبعث حياً، من مثلك لا يُنسون.


