شهر رمضان مرحلة زمانية تُنعش فيه النفس الإيمانية، وتكتسب القدرات الروحية والأخلاقية في وجه المغريات وموجبات السقوط في الرذائل والخطايا، فالصيام مدرسة لتهذيب النفس وتخليصها من الاستجابة العمياء للأهواء. فبعد تلك الرحلة الروحية في الشهر الفضيل استضاءت النفس بالمعارف والسلوكيات والملكات الراسخة في شخصيته، فيستطيع الانطلاق في ميادين الحياة وقد أشرقت دواخله بروح الورع عن محارم الله تعالى والتكامل النفسي والوجداني بعيدًا عن ردات الأفعال العنيفة والتهور والخطوات غير المسؤولة. فالعبادة الواعية تحمل في طياتها قيمًا أخلاقية كنزاهة النفس والجوارح من تجاوز الخطوط الحمراء، كما أن التعامل مع الآخرين يُعدّ جنبة إيمانية تتعلق بعلاقاته معهم، والتي تضبط إيقاع تصرفاته وتعامله وفق روح الصوم القائمة على ضبط النفس وتجنب السوء والقسوة في التحاور أو التعامل.
شهر رمضان هو فرصة لبناء النفس وترميم الروح، بل قد يحتاج الإنسان لإعادة صياغة روحه من جديد، فيخرج من هذا الشهر الكريم ويقبل على بقية الشهور وقد امتلأت نفسه بطاقة إيجابية نحو الاستمرار في إصلاح ذاته والبعد عن كل ما يفسدها. يلاحظ التغير في باطنه وظاهره، وروحه تتسامى نحو الكمال نافرة عن الشهوات واللذات، ويتحلى بملكة ضبط النفس أمام الفتن، بل يواجه كل ما يعكر صفاء نفسه من الإغراءات المادية والمعنوية والتي قد تجره إلى مستنقع الرذيلة والفساد.
المؤمن الذي عاش شهر رمضان مستلذًا بالعبادة والطاعة نراه يتجرد من الصفات السيئة والمستقبحة، ويتعالى عليها، كما لو كان لديه صفة الغضب فيرى نفسه شيئًا فشيئًا يضبط نفسه ويتحكم في انفعالاته مبتعدًا عن دواعي الغضب ومسبباته، ويصبح ميزانه العقل لا العاطفة.
وكذلك حاله مع الشهوات والملذات، يجد نفسه في شهر رمضان قادرًا على ضبط نفسه بالابتعاد عن المحرمات، يراقب نفسه ويحاول حمايتها من الوقوع في الخطأ، ويحاول تقويم سلوكه والابتعاد عن مواطن الحرام.
وهنا يبدأ عقله يعمل ويفكر: إذا كان قادرًا على ضبط روحه ونفسه، فمن المستقبح أن يعود لما كان عليه قبل شهر الصيام من خلال معرفته بمعنى الصيام الحقيقي، فهو ليس الامتناع عن الأكل والشرب وسائر المفطرات المادية، إنما الصوم الحقيقي صيام الجوارح وتدريب النفس على ضبط ذاتها وإصلاحها. ولكي يعيش حالة من الاستمرارية في إصلاح ذاته، لا بد أن يكون بينه وبين نفسه مصارحة ومحاسبة ومشارطة؛ فالمصارحة أن يعترف بين يدي الله تعالى بكل أخطائه، ويحاسب نفسه ويجلد ذاته على ما اقترف في حق الله تعالى وحق نفسه وحق الآخرين، وعلى ما بدر منه من تقصير، وبعدها يشارط نفسه ألّا يعود لما يشين ذاته ونفسه، ويتحلى أخيرًا بالصبر في سبيل إصلاح ذاته؛ لأن المغريات والمثيرات كثيرة، والشيطان فاتح أبوابه لأصحاب النفوس الضعيفة، لكن المؤمن الحق هو من يعاهد الله عز وجل ألّا يعود لما يبعده عن ساحة القرب الإلهي.


