قال الله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
(سورة الإسراء: 23)
لأهمية هذا الجانب التربوي والسلوكي، ينبغي الوقوف على مفهوم عقوق الوالدين لغةً واصطلاحًا، حتى نقترب من الغاية المرجوة من هذا المقال. فلا يخفى على أحد خطورة هذا السلوك، وما يخلّفه من آثار سلبية مؤلمة على نفس الوالدين، وعلى تماسك الأسرة وصلة الأرحام؛ إذ يؤدي إلى التفكك، وقطع الروابط، وتوريث الكراهية والبغضاء داخل العائلة وخارجها، فضلًا عن استجلاب سخط الله تعالى وعقابه في الدنيا قبل الآخرة على العاقّين ومن يسير في هذا النهج.
العقوق في اللغة مأخوذ من “عقَّ”، أي قطع؛ ويُقصد به قطع ما يجب من البر والصلة.
أما في الاصطلاح، فهو كل قول أو فعل يصدر من الابن أو البنت يتضمن إيذاءً للوالدين أو أحدهما، ماديًا كان أو معنويًا، أو تقصيرًا في أداء حقوقهما الواجبة.
وقد بيّن الله سبحانه مكانة الوالدين بيانًا عظيمًا، فقرن الإحسان إليهما بتوحيده، وهو أعظم الواجبات. وقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ﴾ يدل على حكمٍ إلهيٍّ قاطعٍ ملزم.
وقد أشار العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان إلى أن كلمة “قضى” تفيد الأمر الحتمي والوصية الواجبة، وهي أبلغ من مجرد الأمر أو الوصية؛ لما تتضمنه من معنى الإلزام الذي لا يقبل التخلّف.
ولذلك عُدّ عقوق الوالدين من أكبر الكبائر في الإسلام، وهو من الذنوب التي يعجّل الله عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة، لما فيه من عظيم الإساءة وجسيم الجحود. وقد ورد في السنة النبوية الشريفة قول النبي ﷺ:
«رضا الله من رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين».
لا يفارق مخيلتي مشهدٌ عالقٌ منذ الطفولة، وقد يصاحبني ما حييت؛ لطالبٍ كان من المتفوقين دراسيًا، يحصد الجوائز عامًا بعد عام، ويتباهى بإنجازاته، وكان الجميع يتوقع له مستقبلًا زاهرًا.
لكن المفاجأة أن حاله انقلب، فأصبح يعاني أمراضًا نفسية وعقلية وجسدية، تحولٌ صادم لم يجد له كثيرون تفسيرًا.
وعند الوقوف على سلوكه مع والديه، وبالأخص والدته، تبيّن أنه كان عاقًا بهما، يؤذيهما بالصراخ والكلام الجارح، بل وبالاعتداء أحيانًا. فلم تمضِ فترة حتى سُلب منه التوفيق، وتدهورت صحته، وضعفت قوته، وفقد ما كان يفتخر به من عقل ونجاح؛ فكان ذلك عقابًا معجّلًا في الدنيا، نسأل الله العافية.
تتعدد صور العقوق، ومنها:
رفع الصوت على الوالدين، والنظر إليهما بحدّة، والتأفف منهما ولو بكلمة “أف”، والسخرية أو الاستهزاء بهما، وإهمالهما وعدم خدمتهما عند الحاجة، وترك زيارتهما أو هجرهما، والتعدي عليهما جسديًا أو نفسيًا، وتجاهل مشاعرهما، وتقديم غيرهما عليهما بما يؤذيهما، وعدم احترام آرائهما، والامتناع عن الإنفاق عليهما مع القدرة، أو أخذ أموالهما بغير حق، بل وحتى غيبتهما أو السماح للآخرين بالإساءة إليهما.
وللعقوق آثار خطيرة على الفرد والمجتمع في الحاضر والمستقبل؛ فمنها فقدان التوفيق والبركة، والشعور بالضيق والقلق، والتعرض للعقوبة في الدنيا والآخرة. وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي إلى التفكك الأسري، وضعف الروابط، وانتشار القسوة والبغضاء وقلة الرحمة.
من أبرز أسباب الوقوع في العقوق:
ضعف الوازع الديني والأخلاقي، والجهل بعظمة حق الوالدين، والتأثر بالبيئة السيئة ورفقاء السوء، والأنانية وحب الذات، إضافة إلى التربية غير السليمة منذ الصغر.
سبل الوقاية:
أما الوقاية من العقوق فتكون بالإحسان إلى الوالدين قولًا وفعلًا، والدعاء لهما دائمًا، وخفض الصوت عند مخاطبتهما، والتواضع لهما، والصبر على طباعهما، والاستمرار في برّهما حيّين وميتين؛ بالدعاء، والصدقة، وذكرهما بالخير، وصلة من يحبّان.
يُطرح سؤال مهم: هل طاعة الوالدين مطلقة؟
القاعدة الشرعية تقول: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
وعليه، فإذا أمر الوالدان بما يخالف شرع الله، فلا تجوز طاعتهما في ذلك، مع الاستمرار في معاملتهما بالإحسان والاحترام. فلو أمرا بقطع صلة الرحم، مثلًا، فلا يُطاعان في هذا الأمر، مع الحرص على نصحهما بالتي هي أحسن.
إن عقوق الوالدين ليس مجرد سلوك عابر، بل هو خلل أخلاقي وديني عميق، يقابله البر الذي يُعد من أعظم أبواب الجنة. وكلما ازداد الإنسان إحسانًا إلى والديه، ازداد توفيقًا ونجاحًا وطمأنينة في حياته.


