تُعدّ مقولة «من عابَ استُعيب» من الحكم العربية المتداولة في التراث الأخلاقي والاجتماعي، وهي تعبّر عن قاعدةٍ إنسانيةٍ عميقة، مفادها أن من يُكثر من عيب الناس ويتتبّع أخطاءهم، فإنّ الناس سيجدون فيه عيوبًا ويعيبونه كما عاب غيره. فالإنسان حين يجعل من نفسه قاضيًا على الآخرين ويكشف عثراتهم، فإنّه يعرّض نفسه لأن يُعامَل بالمثل؛ لأن الناس بطبيعتهم يردّون الفعل بمثله، وربما بما هو أشدّ منه.
وقد عبّرت الحكمة القائلة: «من اشتغل بعيوب الناس كثر عيبه، ومن اشتغل بعيب نفسه قلّ عيب الناس عنده» عن هذا المعنى أبلغ تعبير، إذ تدعو إلى الانشغال بإصلاح الذات بدلًا من تتبّع عيوب الآخرين.
وفي البعد الأخلاقي والإنساني، تعكس هذه المقولة مبدأً مهمًا في بناء المجتمع، يقوم على ترسيخ قيم الاحترام، وصون الكرامة، والابتعاد عن التشهير بالآخرين. فالمجتمع الذي لا تضبطه أخلاقيات إنسانية ودينية وقانونية هو مجتمع لا يتورّع عن انتقاص الآخرين وكشف عيوبهم، مما يؤدي إلى تفكك روابطه وافتقاره إلى روح المودّة والمحبة والستر.
وقد ورد في الحديث الشريف: «من ستر مؤمنًا ستره الله يوم القيامة»، وهو توجيهٌ واضح نحو تعزيز قيمة الستر بوصفها أساسًا من أسس التماسك الاجتماعي.
غير أنّ بعض الناس يغفلون عن إدراك هذه الحقيقة الأخلاقية المهمة، فلا يعيرونها اهتمامًا يُذكر، لا من الناحية الإنسانية ولا الأخلاقية ولا حتى الدينية. بل قد ينظرون إلى تتبّع العيوب على أنّه نوعٌ من التسلية أو السلوك الاجتماعي المعتاد، مع أنّه يندرج ضمن مفهوم السخرية التي نهى الله عنها في كتابه الكريم.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ (الحجرات: 11).
وقد جاء هذا النداء الإلهي بصيغةٍ حاسمةٍ قاطعة، تبدأ بـ«لا» الناهية التي تفيد المنع الجازم، فلا مجال فيها للنقاش أو التهاون. وهو نهيٌ صريح عن احتقار الآخرين أو عيبهم؛ لأن الإنسان لا يعلم مقام غيره عند الله، ولا يدرك حقيقته الباطنة.
كما يقول تعالى في السياق نفسه:
﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾،
وهو تعبير بليغ يشير إلى أن المجتمع المؤمن كالجسد الواحد، وأن عيب الإنسان لأخيه هو في حقيقته عيبٌ لنفسه، لما بين المؤمنين من وحدةٍ وترابط.
وقال تعالى:
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (الهمزة: 1)،
وهو وعيد شديد لكل من يعيب الناس أو يطعن فيهم قولًا أو فعلًا، سواء كان ذلك على سبيل السخرية أو التسلية أو التفاخر.
إنّ هذا السلوك الذي قد يراه البعض أمرًا بسيطًا، هو في الحقيقة من الأخلاق الذميمة التي تهدم القيم الإنسانية، إذ يقوم على الانتقاص من كرامة الآخرين واتخاذ عيوبهم مادةً للحديث أو التندر، وهو ما حذّر الله منه بعقابٍ شديد في الدنيا قبل الآخرة، إذ قد يُبتلى الإنسان بما عاب به غيره أو بما هو أشدّ منه.
ومن هنا تتجلّى عناية المنظومة الأخلاقية في الإسلام بحفظ كرامة الإنسان، بوصفها قيمةً أصيلةً ميّزه الله بها عن سائر المخلوقات.
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قوله:
«من تتبّع عيوب الناس فضحه الله»،
وهو قولٌ يجسّد بوضوح معنى هذه الحكمة، ويبيّن أن من ينشغل بكشف عيوب الآخرين فإن عاقبته الفضيحة.
وقال عليه السلام أيضًا:
«طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس»،
أي أنّ السعيد حقًا هو من انصرف إلى إصلاح نفسه بدلًا من الانشغال بتتبّع عيوب غيره، وكأنّه الكامل الذي لا نقص فيه.
كما قال عليه السلام:
«من نظر في عيوب الناس فأنكرها، ثم رضيها لنفسه، فذلك الأحمق بعينه»،
وهو توبيخ لمن يكيل بمكيالين، فيستنكر على الناس ما يقبله في نفسه.
وفي بيان خطورة هذا السلوك، ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله:
«أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يواخي الرجلُ الرجلَ ليحصي عليه عثراته وزلّاته، ليعيّره بها يومًا»،
وهو تحذير بالغ من تتبّع العيوب لما يترتب عليه من فساد في النية وانحراف في السلوك.
فأيّ خطرٍ أعظم من أن يقود هذا السلوك بصاحبه إلى حافة الانحراف وربما إلى الهلاك؟ إنّ من يعتاد عيب الناس لا يلبث أن يقع فيما عابهم به، فيكون مصداقًا صريحًا للحكمة الخالدة: «من عابَ استُعيب».



