في الأحياء القديمة، حيث يعرف الناس وجوه بعضهم أكثر مما يعرفون أسماء الشوارع، تمر بيننا شخصيات بسيطة لا يلتفت لها الكثيرون. يعيشون حياتهم بهدوء، بعيدًا عن الأضواء، لكنهم يتركون أثرًا خفيًا في ذاكرة المكان.
في ذلك الحي الدشة كانت هناك صداقة.
صداقة بين عادل وحماد.
لم تكن صداقة تقوم على المصالح أو المجاملات الاجتماعية، بل على شيء أبسط بكثير… الوفاء. كان عادل يردد دائمًا عبارة كأنها وعد للحياة:
«حماد… ما مات… حماد عايش إلى الأبد».
كان يقولها أحيانًا مدافعًا عن صديقه من شقاوة أطفال الحي، وأحيانًا وكأنه يعلن موقفًا واضحًا من العالم: أن هذا الصديق جزء من حياته، لا يقبل أن يُمسّ بسوء.
مرت السنوات، وبقي الاثنان كما هما.
لم تكن بينهما فلسفة في الصداقة، ولا كلمات كبيرة. مجرد حضور يومي بسيط، وقلبان يعرف كل منهما مكانه عند الآخر.
كانا يلتقيان كما يلتقي الأصدقاء الحقيقيون دائمًا؛ بلا مواعيد محددة، وبلا مقدمات. يكفي أن يكون أحدهما موجودًا ليجد الآخر طريقه إليه.
حتى جاء اليوم الذي رحل فيه عادل.
في ذلك اليوم كان حماد حاضرًا في المقبرة.
ربما لم نشعر تمامًا بما كان يدور في داخله، ولم نسمع منه كلمة تعبّر عن حزنه، لكننا كنّا نقرأ ذلك في عينيه. كانت نظراته وحدها تقول ما عجزت روحه عن قوله، وتحمل مقدار الفقد الذي لم يستطع أن يعبّر عنه.
كان يمشي خلف الجنازة ببطء، وكأن عقله يرفض أن يستوعب ما يحدث. كان ينظر إلى الوجوه حوله، ثم إلى التراب، ثم يعود ليدور في المكان ذهابًا وإيابًا.
كأنه يبحث عن صديقه الذي اعتاد أن يراه كل يوم.
لم يكن المشهد يحتاج تفسيرًا.
كان واضحًا أن حماد لا يصدق أن عادل قد رحل.
فالفقد ليس مجرد غياب شخص، بل غياب ذلك الجزء من الحياة الذي كان يشبهنا.
واليوم غاب حماد أيضًا.
ورحل الاثنان، بهدوء يشبه حياتهما.
لم يكونا مشهورين، ولم تكن قصتهما حديث الناس في المجالس، لكن من عرفهما أدرك أن في هذا العالم نوعًا نادرًا من البشر.
أناس يعيشون ببساطة، ويغادرون بصمت، لكنهم يتركون خلفهم شيئًا لا يُنسى.
قلوبًا لم تعرف إلا الحب.
رحل حماد… ورحل عادل…
لكن تلك الصداقة ظلّت حيّة… كما كان يقول عادل دائمًا.



