19 , مارس 2026

القطيف اليوم

حالنا بعد شهر رمضان: كَأَنْ لَم يَكُنْ بين الحُجونِ إلى الصَّفا أنيسٌ!

بعض الأشخاص وبعض الأزمنة تمر في حياتنا دون أن نشعر بها، بل الأدهى من ذلك أننا نتمنى أن لا يعود بعض الأشخاص ولا الأزمنة في حياتنا. إلا شهر رمضان!

في الليلة الأولى من شهر شوال تغيب أصواتُ قراء القرآن والداعين في المساجد والمجالس. تختفي لمات العائلة بعد صلاة المغرب على سفرة واحدة. تعود روائح الهواء خالية من روائح طعام الجيران الشهية. يختفي ضجيج الأطفال ومشاغباتهم على مائدة الإفطار وتهدأ حركة المارة في الشوارع و هدير السيارات قبيل الغروب. هذه الحالة الزمنية تذكرني ببيتٍ من الشعر:

كَأَنْ لَم يَكُنْ بين الحُجونِ إلى الصَّفا
أنيسٌ وَلَمْ يَسْمَرْ بمكَّةَ سَامِرُ

العجيب في شهر رمضان المبارك أن لياليه حية فيها روح لا تشبه ليالي بقية الأشهر. السعيد من يستفيد من شهر رمضان المبارك فلا يذهب وكأنه كان فقط حضر جسدًا بلا روح!

هذا العبد الفقير إلى ربه، كاتب الكلمات، يرجو من الله أن يعود عليه وعليكم شهر رمضان المبارك من العام القادم. أن لا تخلو بيوتكم من أنس الأحبة وأن لا يتفرق لنا ولا لكم شمل. نرفع وجوهنا ونمد أيدينا مبسوطة بالدعاء أن في نهاية الشهر قد استجاب الله دعواتنا بالخَلاص والفكاك من "جهنم"؛ جهنم الدنيا الفانية وجهنم الآخرة الباقية.

هل نودعك الآن - يا شهر رمضان - ونذهب إلى ما كنا عليه ذي قبل؟ أم نودعك وقد أخذنا من عطشنا وجوعنا دروسًا قيمة؟ من عادة الإنسان الغفلة والتراخي حتى يأتي موسمٌ رباني آخر يشده نحو الله سبحانه وتعالى، لكننا نرجو أن قد اكتسبنا ولو شيئًا قليلًا وأن يبقى في أواني أرواحنا ولو بمقدار صبابة من التوبة والإنابة والتوفيق!

لن نقول وداعًا يا شهر رمضان بل نقول نلتقي في حال أفضل بإذن الله وإن كان آخر شهر رمضان لنا فليكن مقبولًا عندك يا رب. فرصة لكي تهدء النفوس وتصفي القلوب فلا يدري الإنسان هل يعود أم يكون في المرحومين!

كان شهرًا كريمًا حتى في موائده! في العادة موائدنا بسيطة، غير منتظمة، إلا أن موائد شهر رمضان عامرة بالحضور والمحبة وبأصنافٍ عديدة من نعم الله سبحانه وتعالى. كان طيفًا جميلًا والآن تعود الحياة إلى سيرتها الأولى قبل الشهر. 

يودع الإمام علي بن الحسين عليه السلام شهر رمضان المبارك بكلمات ذات معان عميقة يستطيع القارئ الكريم والقارئة الكريمة أن يطلع عليها. ذلك لأنّ الذي يعرف قيمة شهر رمضان المبارك يأسف عندما ينقضي.

كلّ عام وأنتم بخير. من العايدين السعيدين.


error: المحتوي محمي